والجواب : يتمّ ذلك بأحد طريقين :
الطريق الأول : إنّ الواضع والمؤسّس أو المؤسّسون هم الذين ربطوا وخصّصوا هذه الألفاظ لهذه المعاني ، وهذا يسمّى بالوضع التعييني. والمراد بالوضع التعييني هو الوضع الناتج من جعل جاعل مشخّص ، فيجعل لفظاً معيّناً لمعنى معيّن ، كما هو الحال في الأعلام الشخصية ، فعند وضع اسم علي لوليد جديد ، يعبّر هذا الوضع عن عملية اقتران بين اسم علي والوليد الجديد ، فتنشأ من هذه العملية علاقة لغوية ، فيصبح اسم علي دالاً على الوليد.
الطريق الثاني : حصول علاقة السببية بين الألفاظ والمعاني من خلال الاستعمال ، ويسمّى بالوضع التعيّني ، أي تعيّن الوضع بنفسه من غير احتياج إلى واضع وجاعل معيّن بخصوصه ، وإنما تحصل علقة السببية بسبب كثرة الاستعمال ، كما هو الحال في جملة من الألفاظ عند ما تقترن بمعانٍ معيّنة مراراً عديدة بصورة تلقائية ، فتنشأ علاقة بين الألفاظ والمعاني. فإن كلمة آه إذ كانت تخرج من فم الإنسان بطبيعته كلّما أحسّ بالألم ، ترتبط في ذهنه بفكرة الألم ، فينتقل ذهنه إلى فكرة الألم كلما سمع بكلمة آه.
ومن هنا احتمل المصنّف أن يكون الاقتران التلقائي هو السبب في خلق ظاهرة اللغة في حياة الإنسان ، وذلك عند التفاته لهذه الظاهرة ، فأخذ في تخصيص بعض الألفاظ لبعض المعاني للتعبير بها عن المعاني الموجودة عنده.
ثمرة الاتجاه الوضعي
إن إحدى نتائج الوضع هو انسباق المعنى الموضوع له ، وتبادره إلى الذهن بمجرّد سماع اللفظ من دون أيّ قرينة ، وهذا هو التبادر. أي إذا تبادر إلى الذهن معنى من المعاني عند سماع لفظ من الألفاظ ، فهذا يدلّنا على أن هذا اللفظ وُضع لهذا المعنى ، فنستكشف من خلال التبادر أن هناك وضعاً
