فاللفظ بذاته دالّ على المعنى الذي يؤدّي إليه ، لا أنه بجعل جاعل ووضع واضع ، من قبيل العلاقة القائمة بين النار والحرارة ، فمن الواضح أنها علاقة لم تكن بجعل جاعل ، ولكن مع حفظ الفارق وهو أن العلاقة الذاتية بين النار والحرارة ظرفها الخارج ، والعلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى ظرفها الذهن.
ويلاحظ عليه :
لو كان الأمر كذلك ، أي كون العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية ، لكان ينبغي أنّ كلّ من تصوّر لفظاً ، ينتقل ذهنه إلى المعنى ، وإن لم يكن عالماً بتلك اللغة ، لأنّ اللفظ بذاته دالّ على المعنى ، فتصوّره بذاته كافٍ للانتقال إلى المعنى بلا احتياج إلى تعلّم لغة! وهذا واضح البطلان بالوجدان والضرورة.
الاتجاه الثاني : الوضع والاعتبار
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العلاقة بين اللفظ والمعنى هي علاقة وضعيّة لا ذاتية ، وإنما هي عملية تخصيص ألفاظ معيّنة لمعانٍ خاصّة من دون أيّ ارتباط مسبق بين اللفظ والمعنى ، سواء كان الواضع هو الشخص الأول والمؤسّس لتلك اللغة ، أو الأشخاص الأوائل الذين تكلّموا بتلك اللغة (١) ، ولكن بعد تحقّق عملية الوضع تكون هناك علاقة بين اللفظ والمعنى شبيهة بالعلاقة القائمة بين النار والحرارة ، فلا يمكن التفكيك بين اللفظ والمعنى ، فتكون سنخ علاقة ذاتية (٢).
من هنا نجد أن هذا الاتّجاه يؤسّس لمصطلحات أربعة :
__________________
(١) ذهب البعض إلى أن الواضع للّغات هو الله سبحانه وتعالى ، وليس من وضع البشر ، وعليه فلا معنى لكثير من هذه الكلمات ، كما سيأتي في دراسات متقدمة
(٢) تعدّدت التفسيرات في هذا الاتجاه بعد الاتفاق على كون العلاقة ليست ذاتية. كما سيأتي في الحلقة الثانية.
