السببية بين تصوّر اللفظ وتصور المعنى مجالها الذهن ، لأن تصوّر اللفظ والمعنى إنما يوجد في الذهن ، وعلاقة السببية بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء مجالها العالم الخارجي.
والسؤال الأساسي بشأن هذه العلاقة التي توجد في اللغة بين اللفظ والمعنى هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة وكيفية تكوّنها ، فكيف تكوّنت علاقة السببية بين اللفظ والمعنى؟ وكيف أصبح تصوّر اللفظ سبباً لتصور المعنى ، مع أن اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كلَّ الاختلاف؟ ويذكر في علم الأصول عادة اتجاهان في الجواب على هذا السؤال الأساسي ، يقوم الاتجاه الأول على أساس الاعتقاد بأن علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته ، كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها. فلفظ «الماء» مثلاً ، له ـ بحكم طبيعته ـ علاقة بالمعنى الخاصّ الذي نفهمه منه ، ولأجل هذا يؤكّد هذا الاتجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية ، وليست مكتسبة من أيّ سبب خارجي.
ويعجز هذا الاتجاه عن تفسير الموقف تفسيراً شاملاً ، لأن دلالة اللفظ على المعنى وعلاقته به إذا كانت ذاتية ، وغير نابعة من أيّ سبب خارجي ، وكان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشري إلى تصوّر معناه ، فلما ذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصوّر معنى كلمة «الماء» عند تصوره للكلمة؟ ولما ذا يحتاج إلى تعلم اللغة العربية لكي ينتقل ذهنه إلى المعنى عند سماع الكلمة العربية وتصورها؟ إن هذا دليل على أن العلاقة التي تقوم في ذهننا بين تصوّر اللفظ وتصور المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ ، بل من سبب آخر يتطلّب الحصول عليه إلى تعلّم اللغة ، فالدلالة إذن ليست ذاتية.
وأما الاتجاه الآخر فينكر ـ بحقّ ـ الدلالة الذاتيّة ، ويفترض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كلّ لغة ، على يد الشخص الأول أو
