فبعد أن يقوم المنهج التاريخى بمهمة الفصم بين مصدر الظاهرة الفكرية وهو النص الدينى وبين هذه الظاهرة نفسها ، مرجعا إياها إلى مصدر تاريخى محض ، وبعد أن يقوم المنهج التحليلى بمهمة تفتيت الظاهرة الفكرية إلى آلاف العناصر والجزئيات ، وبعد أن يقوم المنهج الإسقاطى بمهمة سد اعتبار الوجود الذهنى للظاهرة دون الوجود الفعلى ، يقوم منهج الأثر والتأثر بالقضاء التام على ما تبقى من الظاهرة مفرغا إياها من مضمونها ، ومرجعا إياها إلى مصادر خارجية ، دون وضع أى منطلق سابق لمفهوم الأثر والتأثر ، بل بإصدار هذا الحكم دائما بمجرد وجود اتصال بين بيئتين ثقافيتين وظهور تشابه بينهما.
وغفل المستشرق أن هذا التشابه قد يكون كاذبا وقد يكون حقيقيا ، وقد يكون لفظيا ، وقد يكون معنويا (١).
وطبقا لمنهج الأثر والتأثر فإن المسيحية «مسيحية بولس» (٢) تنهار من أساسها ، لأن أصولها التى قامت عليها هى هى الأصول التى كانت في الديانات الوثنية ، لذلك شكك كثير من الباحثين الأوربيين في حياة المسيح ـ عليهالسلام ـ لأنهم وجدوها صورة من الآلهة الوثنية القديمة مثل : مثرا ، وأودنيس ، وإيزيس ، وبوذا ... وكلها آلهة متشابهة. ومسيحية بولس خلعت صفاتها على المسيح (!).
يقول الأب بولس إلياس اليسوع : «لقد لقحت الكنيسة الفكر الوثنى المسيحى ، فحمل مرسلوها إلى اليونان حكمة التوراة وآداب الإنجيل ، وأخذوا منهم وضوح التعبير ودقة التفكير ، فنتج عن ذلك التلاقح تراث جديد نقلوه إلى روما ، ولقد احترمت الكنيسة تعاليم الشعوب وحافظت على تنوع الطقوس في مختلف الطوائف ، فما فرضت صيغة موحدة لصلاة ...» ثم يستطرد قائلا : «إنه في مفتتح القرن السابع الميلادى ، كتب البابا (غريغوريوس) ... إلى القديس (أوغطينوس) أسقف (كنتربرى) ببريطانيا ، يقول : دع البريطانيين وعاداتهم وابق لهم أعيادهم الوثنية واكتف بتنصير تلك الأعياد والعوائد واضعا إله المسيحيين موضع آلهة الوثنيين ..» (٣). فكان تطعيم وكان مزج بين المسيحية والوثنية ، نزولا على حكم الأخيرة في عباداتها وصلاتها
__________________
١ ـ د. حسن حنفى : السابق ص ١٠٤ ـ ١٠٥.
٢ ـ دخل بولس المسيحية بعقلية مصبوغة بالصبغة الهيلنية ، محشوة بمعلومات وعقائد وثنية فأفرغها فى مسيحية جديدة.
٣ ـ الأب بولس إلياس كتاب يسوع المسيح ص ١٩٩.
د. محمد أبو الغيط الفرت : تحقيق تاريخ الأناجيل ... ص ٦١ ـ ٦٢ مجلة كلية أصول الدين ع. لأول ١٣٩٧ ه ـ ١٣٩٨ ه. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
