إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من النّاس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، كلّما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم ، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رءوسا جهّالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلّوا وأضلّوا.
صدق رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١) ، فقد قبضت الفحول ، وهلكت الوعول ، وانقرض زمان العلم ، وخمدت جمرته ، وهزمته كرّة الجهل ، وعلت دولته ، ولم يبق إلّا صبابة (٢) نتجرّعها ، وأطمار نجتابها (٣) ونتدرّعها ، وعليها من حال (٤) ، فإني كنت قد ابتدأت بإبداع كتاب في التّفسير لم أسبق إلى مثله ، وطال عليّ الأمر في ذلك لشرائط تقلّدتها ، ومواجب من حقّ النّصيحة لكتاب الله تعالى تحمّلتها ، ثمّ استعجلني قبل إتمامه ، والتّقصّي عمّا لزمني من عهدة أحكامه نفر متقاصرو الرّغبات ، منخفضو الدّرجات ، أولو البضائع المزجاة ، إلى إيجاز كتاب في التّفسير ، يقرب على من تناوله ، ويسهل على من تأمّله ، من أوجز ما عمل في بابه ، وأعظمه فائدة (٥) على متحفّظيه وأصحابه.
وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا ، تعجيلا لمنفعتهم ، وتحصيلا للمثوبة في إفادتهم ما تمنّوه طويلا ، فلم يغن عنهم أحد فتيلا ، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عبّاس رحمهالله ، أو من هو في مثل درجته ، كما يترجم عن اللّفظ العويص بأسهل منه ، وهذا حين أفتتحه فأقول : [قوله تعالى من] :
__________________
ـ وأبي هريرة وعائشة ، وعنه أبو الزناد وابن المنكدر. ولد في أوائل خلافة عثمان ، ومات سنة ١٩٤ ه. كان عالما بالسيرة حافظا ثبتا.
انظر : طبقات الحفاظ ١ / ٦٢ ؛ وطبقات ابن سعد ٥ / ١٧٨ ؛ تاريخ البخاري ٧ / ٣١ ؛ سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٢١.
(١) الحديث أخرجه البخاري في العلم ، باب كيف يقبض العلم. فتح الباري ١ / ١٩٤ ؛ ومسلم في العلم برقم ٢٦٧٣. والرواية : حتى إذا لم يبق عالما.
(٢) الصّبابة : البقية من الماء واللبن. القاموس.
(٣) الأطمار : جمع طمر ، وهو الثّوب الخلق ، أو الكساء البالي من غير الصوف. ويقال : اجتاب القميص : لبسه ـ القاموس.
(٤) في ظ : عليها وعلى الأحوال كلّها.
(٥) في النسخ كلّها عدا الأصل : عائدة.
![الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4414_alwajiz-fi-tafsir-alkitab-alaziz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
