فقال : أليس في هذا دلالة على أنّ الله تعالى إنّما يتفضّل بالثواب ، وأنّه غير مستحقّ؟ ومذهبكم بخلاف ذلك.
الجواب : قلنا : فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلّفين إلى الله تعالى ، وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته ، وأنّ العبد لو أخرج إلى نفسه ، وقطع الله تعالى موادّ المعونة واللطف عنه لم يدخل بعمله الجنّة ، ولا نجا من النار ؛ فكأنّه عليه السلام أراد أنّ أحداً لا يدخل بعمله الجنّة ، ولا ينجو من النار ، وعنى الذي لم يعنه الله تعالى عليه ، ولا لطف له فيه ، ولا أرشده إليه ؛ وهذا هو الحقّ الّذي لا شبهة فيه ؛ فأمّا الثواب فما يأتي القول بأنّه تفضّل ؛ بمعنى أنّ الله تعالى يتفضّل بسببه الّذي هو التكليف ، ولهذا يقول : إنّه لا يجب على الله شيء ابتداءً ، وإنّما يجب عليه ما أوجبه تعالى على نفسه بالثواب ممّا كان أوجبه على نفسه بالتكليف ؛ ولولا إيجابه على نفسه بالتكليف لما وجب.
فإن قيل : فقد سمّى النبيّ ما يفعل به فضلاً فقال : «إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل» ، قلنا : هذا يطابق ما ذكرناه ، وإن حملنا قوله عليه السلام : (برحمة منه وفضل) على ما يفعل به من الألطاف ، فالألطاف أيضاً فضل وتفضّل لأنّ سببها غير واجب.
فأمّا قوله : (يتغمّدني) فمعناه يسترني ، يقال : غمدت السيف في غمده إذا سترته.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)