فقال : كيف يجوز أن يكونوا(١) في الآخرة عمياً وقد تظاهر الخبر عن الرسول(ص) والمعرفة تشهد بأنّ الخلق يحشرون كما بدأوا سالمين من الآفات والعاهات ، قال تعالى : (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد)(٢)؟!
الجواب : يقال في وجه الآية أربعة أوجه :
أحدها : أن يكون العمى الأوّل إنّما هو عن تأمّل الآيات والنظر في الدلالات والعبر التي أراها الله المكلّفين في أنفسهم ، وفيما يشاهدون ويكون العمى الثاني هو عن الإيمان بالآخرة والإقرار بما يجازى به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب ، وقيل : الآية متعلّقة بما قبلها من قوله : (رَبُّكُمُ الَّذي يُزْجي لَكُمُ الْفُلْك)(٣) إلى قوله : (وَمَنْ كانَ فِي هَذِهِ أَعْمى) يعني عن هذه النعم وعن هذه العبر ، (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) ، أي هو أعمى عمّا غيب عنه من أمر الآخرة(٤) ، ويكون قوله : (فِي هَذِهِ) كناية عن النعم لا عن الدنيا.
أقول : لو كان المراد ذلك لقال : (عن هذه) لا (في هذه) ، وأيضاً قرينة قوله : (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) يدلّ على أنّ المراد الدنيا لا النعم.
وثانيها : من كان في هذه يعني الدنيا أعمى عن الإيمان بالله والمعرفة بما أوجب عليه فهو في الآخرة عن الحسنة والثواب بمعنى أنّه لا يهتدي إلى
__________________
(١) م : يكون.
(٢) ق : ٢٢.
(٣) الإسراء : ٦٦.
(٤) م : أعمى.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)