بمقتضى العقل ، وحركة السخط قد تكون طبيعية كحركة الطبيعة إلى مقتضى ذاتها ، وقد تكون قسرية كحركة الروح إلى مقتضى الطبيعة ، وقد تكون إرادية كحركة القلب والروح إذا كانت بمقتضى الطبيعة ، إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ اختلاف أشخاص البشر بعضها مع بعض إن كان في النفس بأن يكون شخص في غاية الكمال وآخر في غاية النقصان وآخرون وسائط بينهما ، فوجه كون هذا الاختلاف رحمةً أنّه لولاه لزم مساواة الأشخاص جميعها في مرتبة واحدة وتلك المرتبة لا يجوز أن تكون أعلى مراتب الكمال لمّا قلنا : إنّ الإنسان واقع تحت قهر الذباب فيستحيل إفاضة الكمال عليه دفعة واحدة ، ولا أسفلها لأنّه مناف للرحمة ومناقض لغرض الخلقة ويستلزم سكون الذباب أو حركتها لا إلى غاية ، والكلّ محال ، ولا يجوز أن يكون أوسط المراتب لما قلناه ، ولأنّه حينئذ لا يكون لهم داعي التوجّه إلى الكمال مع وجود صارف الطبيعة فيحرمون الكمال والسعادة والرحمة ، ولما إذا ترتّبت الأشخاص في مدارج الكمال ومعارج الارتقاء ، حصل للكامل ابتهاج بالتقابه إلى الناقص فيجدّ في الحركة ، وللناقص داع إلى الكمال ليفطنه بأنّ الإنسان يمكنه نيل الكمال فيتحرّك نحوه بقدر استعداده فيحتاج بعضهم إلى بعض للتعليم والتعلّم ، وينال المتعلّم الكمال بالتعلّم ، ويفوز المعلّم بالمدح والثناء عاجلاً والثواب آجلاً(١) ، ثمّ لو كان الناس كلّهم في مرتبة طلب الفضائل متساوين لزم فوات
__________________
(١) عاجلا وآجلا كناية عن الدنيا والآخرة.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)