الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٠) و (٢٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بالثّبات في جهاد الكفّار والتّهديد على التولّي عنهم ، أمر بالثّبات في طاعة الرّسول ، وعدم التولّي عنه بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في جميع أوامره ونواهيه ﴿وَلا تَوَلَّوْا﴾ ولا تعرضوا ﴿عَنْهُ﴾ ولا تخالفوه في شيء من الامور ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القرآن الذي أنزله الله عليه ، الدالّ على نبوّته باشتماله على معاجز كثيرة ، الناطق بوجوب طاعته ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أيّها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ﴾ إذا تليت عليهم آيات الله ﴿قالُوا﴾ بألسنتهم : ﴿سَمِعْنا﴾ تلك الآيات سماع فهم وقبول ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ سماع القبول عن صميم القلب ، ولا ينتفعون بها شيئا ، بل يستهزئون بها سرّا ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ﴾ والحيوانات التي تدبّ وتتحرّك في الأرض ، أو البهائم التي تمشي على أربع ، وأخسّها ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ وفي حكمه ﴿الصُّمُ﴾ الّذين لا يسمعون الحقّ و﴿الْبُكْمُ﴾ الذين لا ينطقون به ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ الحقّ ولا يدركونه ولا يميّزون بينه وبين الباطل ، فمن لم يسمع الآيات الإلهيّة سماع القبول ، ولم يفهمها حقّ الفهم ، فهو شرّ منهم عند الله ، وإنّما كان اتّصافهم بتلك الرّذائل لعدم الخير فيهم أصلا ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً﴾ سيّما من جهة قابليّة الذّات وطيب الطينة ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ الآيات والمواعظ ، وفهّمهم معانيها وحقائقها ﴿وَ﴾ لكن خبثت ذاتهم وطينتهم بحيث ﴿لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ عن قبولها ، وما انتفعوا من سماعها ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنها غير معتنين بها لعنادهم.
عن الباقر عليهالسلام : نزلت في بني عبد الدّار ، لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير ، وحليف لهم يقال له سويبط » (١) .
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾
ثمّ أكّد سبحانه الأمر بإجابة دعوة الرّسول وطاعته بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عن صميم القلب ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ وبادروا إلى قبول دعوتهما ﴿إِذا دَعاكُمْ﴾ الرّسول المبلّغ عن الله ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ حياة الأبد من المعارف الإلهيّة ، والعلوم الحقّة ، ومحاسن الأخلاق ، والأعمال الصّالحة ، فإنّ جميعها سبب حياة القلب التي لا موت بعدها.
__________________
(١) مجمع البيان ٤ : ٨١٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٨٨ ، وفي النسخة : سويط ، بدل سويبط ، راجع : أسد الغابة ٢ : ٣٧٦ ، قاموس الرجال ٥ : ٣٣٩ / ٣٤٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
