فقال عبد الله بن ابيّ مع قومه : ألا تعجبون من هذا الرّجل ، يخبر بموت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته ؟ ! فقال صلىاللهعليهوآله : « إنّ ناسا من المنافقين قالوا كيت وكيت ، وناقتي في هذا الشّعب قد تعلّق زمامها بشجرة » ، فوجدوها على ما قال (١) .
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا
تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا
صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما
آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾
ثمّ أنّه صلىاللهعليهوآله بعد ادّعاء الرّسالة دعا النّاس إلى التّوحيد بالبرهان القاطع بقوله : ﴿هُوَ﴾ الإله القادر ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ جميعا بقدرته ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهو آدم ﴿وَجَعَلَ﴾ وأنشأ من ضلع ﴿مِنْها زَوْجَها﴾ حوّاء ﴿لِيَسْكُنَ﴾ آدم ويطمئنّ ﴿إِلَيْها﴾ اطمئنانا مصحّحا للازدواج ، ويستأنس بها ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾ وجامعها ﴿حَمَلَتْ﴾ وحبلت (٢) في البدء ﴿حَمْلاً خَفِيفاً﴾ بحيث لم تكترث به ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ وتحرّكت بالقيام والقعود ، والذّهاب والإياب ، بسهولة وراحة كما كانت قبله ، [ كما ] قيل(٣) .
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ حوّاء لكبر الجنين في بطنها ، استوحشت حواء واستوحش آدم من مآل الحمل الذي لم يعهداه ، فلذا ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما﴾ وتضرّعا إليه وقالا : يا ربّ ، وعزّتك ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا﴾ وأعطيتنا ولدا ﴿صالِحاً﴾ سويّا في الخلقة ، أو في أمر الدّين ، أو فيهما ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك هذه النّعمة الجليلة الجديدة.
قيل : لمّا رأى آدم حين أخذ الميثاق على ذريّته أنّ منهم سويّ الأعظاء ومنهم غير سويّ ، وأنّ منهم التقيّ ومنهم غير التقيّ ، سألا أن يكون هذا الولد سويّ الأعضاء تقيّا نقيّا من المعصية ﴿فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
عن ابن عبّاس قال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نفس آدم ، ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ أي حوّاء خلقها [ الله ] من ضلع آدم من غير أذى ، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ... فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي ثقل الولد في بطنها ، أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حوّاء ؟ إنّي أخاف أن يكون كلبا أو بهيمة ، وما يدريك من أين يخرج ، أمن دبرك فيقتلك ، أو تنشقّ بطنك ؟ فخافت حوّاء
__________________
(١) تفسير الرازي ١٥ : ٨٣.
(٢) في النسخة : وأحبلت.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ٢٩٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
