﴿ما يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ المشركون المعاصرون لك من الأصنام ، في أنّها لا تدفع عنهم شيئا من العذاب ، واعلم أنّهم ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ الأصنام ﴿إِلَّا كَما﴾ كان ﴿يَعْبُدُ﴾ ها ﴿آباؤُهُمْ﴾ وكبراؤهم الذين بيّنت لك سوء عاقبتهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ بلا تفاوت ، فكما كانت عبادة قدمائهم إيّاها عن جهل وتقليد بلا تحقيق وبرهان ، كانت عبادة هؤلاء المشركين الموجودين في عصرك لها كذلك ﴿وَإِنَّا﴾ كما وفّينا نصيب آبائهم من الرّزق والسّعة والعمر ، وإرسال الرّسل ، وإنزال الكتب ، وإتمام الحجّة عليهم في الدّنيا ، وإنزال العذاب عليهم فيها وفي الآخرة ، والله ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾ ومعطوهم كاملا ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ وحظّهم المعيّن لهم من المذكورات ، حال كون ذلك النّصيب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ منه مثقال ذرّة ، ويكون حال هؤلاء كحال قدمائهم بدوا وختما بلا تفاوت. فليكونوا على حذر ، وكن أنت على ما أنت عليه من التّبليغ ، والقيام بوظيفه الرّسالة.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تسلية نبيّه صلىاللهعليهوآله في إنكار المشركين التّوحيد ، ومعارضتهم له فيه ، سلّاه سبحانه في إنكارهم صدق كتابه بقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمن قومه من آمن به ، ومنهم من أنكر صدقه ، كما اختلف قومك في شأن كتابك أنّه من عند الله أو من اختلاق البشر ، فلا تبال يا محمّد باختلاف قومك وتكذيبهم كتابك ، فإنّهم على سيرة من قبلهم ، واصبر كما صبر موسىعليهالسلام.
عن الباقر عليهالسلام : « اختلفوا كما اختلفت هذه الامّة [ في الكتاب ] ، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به ، حتّى ينكره ناس منهم (١) ، فيقدّمهم ويضرب أعناقهم » (٢) .
ثمّ بيّن الله شدّة استحقاقهم العذاب بقوله : ﴿وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ من وعده أو حكمه بتأخير عذاب هذه الامّة ، أو حكمه بين المختلفين إلى القيامة ، لحكمة داعية إليه ، أو إخباره بسبق رحمته غضبه ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وحكم عليهم في الحال بعذاب الاستئصال ، أو بالتميّز بين المحقّ والمبطل من قومك بإهلاك مكذّبي كتابك ، مع أنّهم ليسوا على يقين من كذبه ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍ﴾ عظيم من صدقه ، وترديد ﴿مِنْهُ﴾ مع وضوح دلائله ﴿مُرِيبٍ﴾ ذلك الشكّ ، وموقع لقلوبهم في اضطراب وتشويش ، مع أنّ الحقّ الاطمئنان به.
__________________
(١) في الكافي : ناس كثير.
(٢) الكافي ٨ : ٢٨٧ / ٤٣٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٧٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
