وفي تنكير السّوء ، ونسبته إلى بعض آلهتهم ، إشعار بعدم مبالغتهم فيه ، وإن بالغوا في تكذيبه بدعوى عدم قابليّة كلامه للتّصديق ونظمه في الهدايات ، ولذا بالغ هو عليهالسلام أيضا في الإجهار بعدم الوهيّة أصنامهم ، و﴿قالَ :﴾ يا قوم ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا﴾ جميعا ﴿أَنِّي بَرِيءٌ﴾ ما دامت حياتي ﴿مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ صنما كان أو غيره ، فإن استثقلتم قولي ، ونصبتم لي العداوة ، وصدّقتم في دعوى قدرة أصنامكم على الإساءة بي ﴿فَكِيدُونِي﴾ واحتالوا أنتم وأصنامكم ﴿جَمِيعاً﴾ في قتلي ﴿ثُمَ﴾ بعد احتيالكم ﴿لا تُنْظِرُونِ﴾ ساعة ولا تمهلوا فىّ لحظة ، فإنّي لا ابالي مع انفرادي منكم مع كثرتكم وقوّتكم ، وشدّة بطشكم وبأسكم ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ومالكي ومالككم ، ووتقت به ، والتجأت إليه ، فانّه القادر على حفظي فيكم ، ودفعكم عنّي ، لوضوح أنّه ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ﴾ في الأرض ﴿إِلَّا هُوَ﴾ تعالى مالكها ، والقاهر عليها ، يصرّفها حيث يشاء ، كأنّه تعالى ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ لا تقدر على أن تتحرّك إلّا بإرادته تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ من الحقّ والعدل ، ولذا لا يكاد يسلّطكم عليّ ، ويضيع من توكّل عليه واعتصم به.
عن أمير المؤمنين عليهالسلام : « يعني أنّه على الحقّ ، يجزي بالإحسان إحسانا ، وبالسّيء سيّئا ، ويعفو عمّن يشاء ويغفر [ سبحانه وتعالى ] » (١) .
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا
تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾
ثمّ أعلمهم بتماميّة الحجّة عليهم بقوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وتعرضوا عن قبول قولي ، وتصرّوا على تكذيبي ﴿فَقَدْ﴾ أتممت عليكم الحجّة ، حيث إنّي ﴿أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ بلا تفريط منّي في أداء رسالتي ، وتقصير منّي في القيام بوظيفتي ، وإنّما التفريط من قبلكم ، حيث إنّكم مع وضوح الحقّ عندكم أبيتم إلّا الجحود والتّكذيب ، فاحذروا من أن يهلككم الله على كفركم عن آخركم ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ في دياركم وأموالكم بعد إهلاككم ﴿قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ وفريقا سواكم ، أطوع له منكم ، ﴿وَ﴾ أنتم ﴿لا تَضُرُّونَهُ﴾ بتولّيكم وإعراضكم عن قبول دعوة رسوله ، والإيمان بتوحيده ﴿شَيْئاً﴾ يسيرا ، ولا تنقصون من ملكه وسلطانه نقيرا ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ومستول ورقيب ، فكيف يقدر شيء على الإضرار به ؟
وقيل : يعني هو مطّلع على كلّ شيء ، فلا يخفى عليه عصيانكم وطغيانكم ، فيجازيكم عليه أسوأ
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ : ٣١٢ / ٢٠٢٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٥٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
