جوابهم تعجيزا لهم : إن كان الأمر كما تقولون ﴿فَأْتُوا﴾ أنتم أيضا ؛ مع كونكم مهرة فنّ الكلام ، وحذقة صناعة الفصاحة والبلاغة ، ممارسين الخطب والأشعار ، مزاولين أساليب النّظم والنّثر ، مطّلعين على الوقائع والأيّام ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة ، والحلاوة وحسن النّظم ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ ومختلقات من عند أنفسكم ﴿وَادْعُوا﴾ للاستظهار في المعارضة ، وترتيب السّور المختلقة ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دعاءه والاستعانة به من آلهتكم التي تستمدّون بها في اموركم ، والكهنة الذين تلتجئون إليهم في مهمّاتكم ، وكلّ من ترجون منه مساعدتكم ، حال كونكم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ومنحازين عنه تعالى ، لأنّه القادر على ذلك دون غيره ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى أنّي افتريته ، فإنّ ذلك يستلزم أن يقدر غيري من البشر على إتيان مثل هذا القرآن ، ولا أقلّ من سور قليلة منه.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ (١٤)﴾
ثمّ خاطب سبحانه رسوله صلىاللهعليهوآله بصيغة الجمع تعظيما له ، أو إيّاه مع المؤمنين بقوله : ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ هؤلاء الكفّار المكذّبون ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقدروا على إتيان ما سألتموه منهم ، مع شدّة حرصهم على إبطال قولكم ، وإظهار افترائكم ، وتبيّن عجزهم عن المعارضة ، ولو مع الاستعانة بغيرهم من الإنس والجنّ ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أنّ إتيان مثله خارج عن طوق البشر وغيره من المخلوقين ، و﴿أَنَّما أُنْزِلَ﴾ من القرآن انزل ﴿بِعِلْمِ اللهِ﴾ وقدرته الكاملة خاصّة من دون دخل غيره فيه. واثبتوا على الإيمان به.
وفي التّعبير عن الإتيان بالمثل بالاستجابة إشعار بل دلالة على أنّ النبي صلىاللهعليهوآله بل والمؤمنين يأمرونهم بالإتيان بمثله ، ودعوهم إليه مع إرادتهم منهم وقوعه ، مع علمهم بعجزهم منه.
ثمّ لمّا ثبت كون القرآن النّاطق بالتّوحيد وبطلان الشّرك ، نازلا من عند الله ، ثبت أنّ الشّرك فاسد ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ وحده ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ أيّها المؤمنون بعد وضوح صحّة مذهب التّوحيد ، وصدق النبيّ في دعوى النبوّة ، وصدق كتابه ﴿مُسْلِمُونَ﴾ عن صميم القلب ، مخلصون في الإيمان.
وقيل : إنّ ضمائر الجمع في الآية كلّها راجع إلى المشركين ، والمعنى : إن لم يستجب لكم آلهتكم في الإعانة على المعارضة ، فاعلموا أيّها المشركون أنّ هذا القرآن أنّما انزل بعلم الله ، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد لزوم الحجّة عليكم ، أم تصرّون على الشّرك والكفر عنادا ولجاجا ؟
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
