﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا
إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ
تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) و (٤)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّ إنزال هذا الكتاب الذي هو أفضل الكتب السماويّة لأجل ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أيّها النّاس شيئا ﴿إِلَّا اللهَ﴾ ولا تخضعوا إلّا له. قيل : إنّ كلمة ( أن ) مفسّرة لمعنى القول (١) المشرب في « فصّلت » ، والتّقدير : إنّ القول المفصّل فيه أن لا تعبدوا ، أو للأمر ، والمعنى : لتأمر النّاس يا محمّد أن لا يعبدوا إلّا الله ، وتقول لهم : ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ تعالى ﴿نَذِيرٌ﴾ ومخوّف من عذابه على ترك عبادته ، والتوجّه إلى عبادة غيره ﴿وَ﴾ لكم ﴿بَشِيرٌ﴾ بثوابه على عبادته. وإنّما قدّم الإنذار لكونه أدخل في الرّدع من التّبشير.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ واطلبوا منه ستر ذنوبكم بالتّوبة ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ من ذنوبكم ﴿إِلَيْهِ﴾ عن صدق وخلوص. وقيل يعني : استغفروا من الشّرك ، ثمّ ارجعوا إليه بالطّاعة ، أو توبوا إليه من المعاصي (٢) . إذن ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً﴾ ويعيشكم عيشا رغيدا مرضيّا ، لا يفوتكم فيه شيء من مشتهياتكم ، ولا ينقصه شيء من الكدورات ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وعمركم المقدور ، وموتكم الطّبيعي ﴿وَيُؤْتِ كُلَ﴾ تائب ﴿ذِي فَضْلٍ﴾ ومزيّة في الأعمال والأخلاق ، والكمالات العلميّة ﴿فَضْلَهُ﴾ ومزيّته في الجزاء في الدّارين ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وتعرضوا عمّا أدعوكم إليه من التّوحيد والاستغفار والتّوبة ، وتصرّوا على ما أنتم عليه من الشّرك والعصيان ﴿فَإِنِّي﴾ بمقتضى شفقتي ورحمتي ﴿أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وأتوقّع في حقّكم ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ شأنه ، عظيم أهواله وشدائده ، وهو يوم القيامة.
والقمّي : يعني : الدّخان والصّيحة (٣) .
ثمّ قرّر سبحانه كبر اليوم بقوله : ﴿إِلَى اللهِ﴾ وحده بعد الموت ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ ومآبكم في ذلك اليوم ؛ فيعاقبكم على أعمالكم ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه تعذيبكم بعد الإماتة والبعث.
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ : ١٨٠.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ١٨٤.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٢١ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٣١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
