ثمّ بيّن سبحانه إناطة الإيمان بمشيئته وتوفيقه بقوله : ﴿وَما﴾ وما صحّ ﴿لِنَفْسٍ﴾ من النّفوس ﴿أَنْ تُؤْمِنَ﴾ بسبب من الأسباب ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ وتوفيقه وتسهيله ولطفه ، لا بالمعجزات وتقرير الدلائل ودفع الشّبهات والمبالغة في الوعظ والنّصح ، وإن كان لها دخل.
ثمّ بيّن أنّ الكفر أيضا يكون بخذلانه ، الناشئ عن قلّة العقل وكثرة الجهل ؛ بقوله : ﴿وَيَجْعَلُ﴾ الله ﴿الرِّجْسَ﴾ والكفر المستقذر لشدّة قباحته ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ دلائل التّوحيد والنبوّة والمعاد ، ولا يتدبّرون فيها.
عن الرضا عليهالسلام أنّه سأله المأمون عن هذه الآية ، فقال : « حدّثني أبي ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال : إنّ المسلمين قالوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله : لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من النّاس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدوّنا ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئا ، وما أنا من المتكلّفين. فأنزل الله عليه : يا محمد ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدّنيا ، كما يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة ، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقّوا منّي ثوابا ولا مدحا ، ولكنّي اريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين ، ليستحقّوا منّي الزّلفى والكرامة ، ودوام الخلود في جنّة الخلد ﴿أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وأمّا قوله : ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها ، ولكن على معنى أنّها ما كانت لتؤمن إلّا ، بإذن الله وإذنه أمره لها بالإيمان ما كانت متكلّفة متعبّدة ، وإلجاؤه إيّاها إلى الإيمان عند زوال التّكليف والتعبّد عنها » . فقال المأمون : فرّجت [ عني فرّج الله عنك ](١) .
﴿قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ
لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الإشارة إلى أنّ الكفر إنّما يكون بسبب عدم التعقّل والتدبّر في الآيات ، وأنّ الايمان موقوف على تعقّلها والتفكّر فيها ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله ببعث النّاس إلى النّظر والتفكّر في الآيات السماويّة والأرضيّة بقوله : ﴿قُلِ﴾ يا محمّد للنّاس عموما ، أو لأهل مكّة ﴿انْظُرُوا﴾ بنظر التفكّر والاعتبار ﴿ما ذا﴾ من الآيات الدالّة على التّوحيد ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأيّ شيء بديع فيهما من عجائب الصّنع الدالّة على كمال قدرة الله وحكمته.
__________________
(١) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ : ١٣٥ / ٣٣ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٢٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
