عن العيّاشي مرفوعا : « لمّا صار موسى عليهالسلام في البحر أتبعه فرعون وجنوده ، قال : فتهيّب فرس فرعون أن يدخل البحر ، فتمثّل له جبرئيل على رمكة (١) ، فلمّا رأى فرس فرعون الرّمكة أتبعها فدخل في البحر هو وأصحابه فغرقوا » (٢) .
﴿حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ﴾ ووصل به ﴿الْغَرَقُ﴾ وعاين الموت ﴿قالَ﴾ إلجاء واضطرارا ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ وأخلصت له ديني كما أخلصوا له دينهم ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ والمنقادين له كما هم كذلك. وإنّما أظهر تبعيّته لهم في الإيمان رجاء أن يكون تبعا لهم في النّجاة.
قيل : كرّر المعنى الواحد بثلاث عبارات ، حيث قال أوّلا : ﴿آمَنْتُ﴾ ثمّ قال : ﴿لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ ثمّ قال : ﴿أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ حرصا على القبول المفضي إلى النّجاة(٣).
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ
لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩١) و (٩٢)﴾
ثمّ وبّخه الله سبحانه على تأخيره الإيمان إلى وقت لا نفع له بقوله : ﴿آلْآنَ﴾ وهل في هذا الوقت الذي لا ينفعك الإيمان فيه تؤمن وتتوب ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ ربّك ﴿قَبْلُ﴾ وفي زمان ينفعك فيه الإيمان والتّوبة ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض ، المبالغين في الضّلال والإضلال ؟ وفيه غاية التّوبيخ والتّقريع.
عن الصادق عليهالسلام : « ما أتى جبرئيل رسول الله صلىاللهعليهوآله إلّا كئيبا حزينا ، ولم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون ، فلمّا أمره الله بنزول هذه الآية ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ نزل عليه وهو ضاحك مستبشر ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : ما أتيتني يا جبرئيل إلّا وقد تبيّن الحزن في وجهك حتّى السّاعة ؟ قال : نعم يا محمّد ، لمّا أغرق الله فرعون قال : ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فأخذت حمأة (٤) فوضعتها في فمه ، ثمّ قلت له : ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وعملت ذلك من غير أمر الله ، ثمّ خفت أن تلحقه الرّحمة من الله ويعذّبني الله على ما فعلت ، فلمّا كان الآن وأمرني الله أن اودّي إليك ما قلته لفرعون ، آمنت وعلمت أنّ ذلك كان لله تعالى رضا » (٥) .
أقول : في الرّواية بنظري إشكالات لا مجال لذكرها ، وإنّما يسهّل الخطب أنّها من الآحاد التي لا
__________________
(١) الرّمكة : أنثى الفرس تتّخذ للنّسل.
(٢) تفسير العياشي ٢ : ٢٨٤ / ١٩٧٥ ، تفسير الصافي ٢ : ٤١٦.
(٣) تفسير أبي السعود ٤ : ١٧٣.
(٤) الحمأ : الطين الأسود المنتن ، والقطعة منه : حمأة.
(٥) تفسير القمي ١ : ٣١٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٤١٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
