ابن عبّاس : كانت الكعبة قبلة موسى (١) . ومن غيره : كانت قبلته جهة بيت المقدس (٢) . وقيل : يعني: اجعلوا بيوتكم متقابلة ، والمقصود حصول الجمعيّة ، وتعاضد بعضهم ببعض (٣) . وقيل يعني : صلّوا في بيوتكم لئلّا يظهر عليكم الكفّار فيؤذوكم ويفتنوكم عن دينكم (٤) . وقيل يعني : استقبلوا البيوت لأجل الصّلاة (٥)﴿وَأَقِيمُوا﴾ جميعا ﴿الصَّلاةَ وَبَشِّرِ﴾ يا موسى ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنّصرة في الدّنيا إجابة لدعائكم ، وبالجنّة في الآخرة.
وإنّما خاطب سبحانه خصوص موسى وهارون في اتّخاذ المساجد لأنّه وظيفة الرّؤساء ، وخاطب الكلّ في الأمر بجعل البيوت مساجد والصّلاة فيها ، لأنّه وظيفة الكلّ ، وخاطب موسى في الأمر بالبشارة لأنّه وظيفة الرّسول.
عن العيّاشي : أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله خطب النّاس فقال : أيّها « النّاس ، إنّ الله عزوجل أمر موسى وهارون أن يبنيا لقومهما بمصر بيوتا ، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب ، ولا يقرب فيه النّساء إلّا هارون وذريّته ، وإنّ عليّا منّي بمنزلة هارون من موسى ، فلا يحلّ لأحد أن يقرب النّساء في مسجدي ، ولا يبيت فيه جنب ، إلّا عليّ وذريّته ، فمن ساءه ذلك فهاهنا » . فضرب (٦) بيده نحو الشام (٧) .
﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا
لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا
حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ * قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ
سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٨) و (٨٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد أمر موسى ببشارة المؤمنين بالنّصر والغلبة على الأعداء إجابة لدعائهم ، حكى دعاء موسى عليهالسلام على الكفّار بعد بيان سبب طغيانهم بقوله : ﴿وَقالَ مُوسى﴾ غضبا على فرعون وقومه : ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ﴾ وأعطيت ﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ ومفاخر كثيرة ؛ كالجمال والقوّة والشّوكة ونظائرها ﴿وَأَمْوالاً﴾ وفيرة ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فألهتهم تلك الزّينة والأموال عن ذكرك وذكر الآخرة ، فاشتغلوا بإضلال عبادك ، كأنّك ﴿رَبَّنا﴾ أعطيتهم تلك ﴿لِيُضِلُّوا﴾ النّاس ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ويصرفوهم عن تصديق رسولك واتّباع دينك.
__________________
( ١ و٢ و٣ و٤ ) . تفسير الرازي ١٧ : ١٤٨.
(٥) تفسير الرازي ١٧ : ١٤٧.
(٦) في المصدر : وأشار.
(٧) تفسير العياشي ٢ : ٢٨٣ / ١٩٧٤ ، تفسير الصافي ٢ : ٤١٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
