ويبتلون بأشدّ العقاب.
﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي
السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر إصرار المشركين على الكفر وتكذيب النبيّ صلىاللهعليهوآله واستهزائهم بالقرآن ، وأمر النبيّ صلىاللهعليهوآله بالجواب عن مقالاتهم والمداراة معهم ، وتهديدهم بالعذاب ، بالغ في تسلية النبيّ والمؤمنين ، وتهديد الكفّار ببيان أنّ جميع أحوالهم وأعمالهم بعين الله بقوله : ﴿وَما تَكُونُ﴾ يا محمّد ﴿فِي شَأْنٍ﴾ من الشؤون ، وحال من الأحوال الظّاهرة والباطنة والخفيّة ، من امور الدّنيا أو من جميع الامور ، ثمّ خصّ شأن تلاوة القرآن بالذّكر تعظيما له بقوله : ﴿وَما تَتْلُوا﴾ تلاوة هي بعض شأنك والمعظم ﴿مِنْهُ﴾ يكون ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾
وقيل : إنّ ضمير ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى القرآن من باب الإضمار قبل الذّكر ؛ لتعظيم القرآن (١) . ثمّ جمع في الخطاب بين النبيّ صلىاللهعليهوآله والمؤمنين بقوله : ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ جليل أو حقير ، ظاهر أو خفيّ ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ ورقباء حافظين له ﴿إِذْ تُفِيضُونَ﴾ وتخوضون ﴿فِيهِ﴾ وتشتغلون به ﴿وَما يَعْزُبُ﴾ ولا يبعد ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾ ولا يغيب عن علمه المحيط بجميع الأشياء ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ وما يساوي وزن نملة صغيرة أو هباءة لا ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ وهما كناية عن عالم الوجود ﴿وَلا﴾ شيء ﴿أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ الذرّة ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾ منها ﴿إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ و[ هو ] اللّوح المحفوظ.
وقيل : إنّ المعنى : لا يعزب عن ربّك شيء من الأشياء ، ولكنّ جميع الأشياء في كتاب مبين ، فكيف يعزب عنه شيء (٢) ؟ فإذا كان كذلك فليخف الكافرون عذاب الله ، ولا يخف المؤمن منهم.
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في تقوية قلب النبيّ صلىاللهعليهوآله والمؤمنين بقوله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ﴾ وأحبّاءه من النبيّ والمؤمنين ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدّارين من نيل مكروه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لفوت مأمول ومطلوب.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ : ١٢٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ١٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
