﴿وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تبرئة نفسه عن اتّخاذ الشّريك ، نبّه على أنّ حدوث مذهب الشّرك إنّما كان بالأهواء الزّائغة والآراء الفاسدة بقوله : ﴿وَما كانَ النَّاسُ﴾ من زمان آدم إلى زمان نوح عليهماالسلام - على ما قيل (١) - ﴿إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ وجماعة متّفقة على ملّة التّوحيد والمذهب الحقّ - كما مرّ - وعن ابن عبّاس رضى الله عنه قال : كانوا على دين الإسلام في عهد آدم عليهالسلام وعهد ولده (٢) ، وقيل : إنّ المراد من النّاس : العرب (٣) ، فإنّهم كانوا على مذهب التّوحيد من زمان إبراهيم عليهالسلام - ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ - على التّفسير الأوّل - في عهد نوح ، وعن ابن عبّاس : عند قتل قابيل هابيل (٤) ، وعلى أنّ المراد من النّاس : العرب ، عند تغيير عمرو بن لحي دين إسماعيل ، فمنهم من بقي على التّوحيد ودين الحقّ ، ومنهم من أشرك وكفر.
قيل : إنّ الغرض من بيان بدء حدوث الشّرك ترك تعصّب العرب لنصرته ، بل الاستدلال به على بطلانه ، لكون آدم والأطايب من أولاده على دين التّوحيد دليل على بطلان مذهب الشّرك (٥) .
وقيل : إنّ المراد أنّ النّاس كانوا على فطرة التّوحيد فاختلفوا بواسطة الآباء (٦) .
وقيل : كانوا على الكفر فاختلفوا بواسطة الأنبياء. وعليه يكون الغرض تسلية النبيّ صلىاللهعليهوآله وقطع رجائه بإيمان الكلّ (٧) .
ثمّ نبّه سبحانه على استحقاق المخالفين لأهل الإيمان التّسريع في تعذيبهم ، والتّعجيل في إهلاكهم ، وإنّما اقتضت الرّحمة وصلاح نظام العالم إمهالهم إلى أجلهم ، بقوله : ﴿وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ من قوله : سبقت رحمتي غضبي (٨) ، ومن قوله : ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾(٩) - على قول - ومن إخباره تعالى بأنّ التّكليف باق على العباد وإن كانوا به كافرين - على قول آخر (١٠) - ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من التّوحيد والشّرك ، وقضائه بإنزال العذاب على المشركين والرّحمة على المؤمنين ، وإنّما الرّحمة الواسعة ، ومصلحة نظام العالم على الوجه الأتمّ ، وكرامة النبيّ صلىاللهعليهوآله الأكرم اقتضت إمهال المشركين وتأخير تعذيبهم إلى ما بعد الموت ويوم القيامة.
والحاصل : أنّ الحكمة اقتضت أن تكون هذه الدّار الفانية دار بلاء واختبار ، والدّار الآخرة دار ثواب
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ / ٦٢ ، تفسير أبي السعود ٤ / ١٣٢.
(٢) تفسير الرازي ١٧ : ٦١.
(٣) تفسير أبي السعود ٤ : ١٣٢.
(٤) مجمع البيان ٥ : ١٤٩ ، منسوب إلى القيل.
(٥) تفسير الرازي ١٧ : ٦٢.
(٦) تفسير روح البيان ٤ : ٢٧.
(٧) تفسير الرازي ١٧ : ٦٢.
(٨) الأحاديث القدسية : ٢٣٠ ، تفسير الرازي ١٧ : ٦٣.
(٩) الأنفال : ٨ / ٣٣. (١٠) تفسير الرازي ١٧ : ٦٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
