ورحمة ونعمة يريد إيصالها إلى العباد لا بدّ من أن يكون عبورها على ولاية النبوّة ، ثمّ يفيض منها على المهاجرين والأنصار وسائر الامّة (١) .
أقول : ولعلّه لتلك النّكتة والحكمة يستحبّ الابتداء بالصّلاة على النبي صلىاللهعليهوآله عند طلب الحاجة من الله تعالى ، وعليه يحمل ما روي عن الصادق عليهالسلام ، والرضا عليهالسلام من أنّهما قرءا : ( لقد تاب الله بالنبي صلىاللهعليهوآله على المهاجرين والأنصار ) (٢) ، وما في ذيل رواية أبان بن تغلب ، عن الصادق عليهالسلام من قوله : « إنّما تاب الله به على امّته » (٣) .
ثمّ وصف الله المهاجرين والأنصار بما يوجب قبول توبتهم ، وإنزال الرّحمة عليهم بقوله : ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وخرجوا معه ﴿فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ ونصروه في زمان الشدّة - وهو غزوة تبوك - فإنّه قد أصابتهم فيها مشقّة عظيمة من شدّة الحرّ وقلّة المركب ؛ حتّى روي أنّه كانت العشرة تعتقب على بعير واحد (٤) ، ومن قلّة الزّاد ؛ حتّى روي أنّه ربّما مصّ التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتّى لا يبقى منها إلّا النّواة ، وكان معهم شيء من شعير مسوّس ، فكان إذا وضع أحدهم اللّقمة في فيه أخذ أنفه من نتن تلك اللّقمة ، ومن قلّة الماء (٥) .
في ذكر بعض المتخلّفين في غزوة تبوك عن النبي صلىاللهعليهوآله
روي أنّ عمر قال : خرجنا في قيظ شديد ، وأصابنا فيه عطش شديد ، حتّى [ أن ] الرّجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه (٦) .
عن القمّي رحمهالله : هم أبو ذرّ ، وأبو خيثمة ، وعمر بن وهب ، الذين تخلّفوا ثمّ لحقوا برسول الله صلىاللهعليهوآله (٧) .
قال : وتخلّف عن رسول الله صلىاللهعليهوآله قوم من أهل نيات (٨) وبصائر ، لم يكن يلحقهم شكّ ولا ارتياب ، ولكنّهم قالوا : نلحق برسول الله ، منهم أبو خيثمة وكان قويا ، وكان له زوجتان وعريشان (٩) ، وكانت زوجتاه قد رشّتا عريشيه [ وبرّدتا له الماء ، وهيئتا له طعاما ، فأشرف على عريشيه ، فلمّا نظر إليهما ] قال : والله ، ما هذا بإنصاف ، فإنّ رسول الله مع أنّه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر قد خرج في الصخّ (١٠) والرّيح ، وقد حمل السّلاح يجاهد في سبيل الله ، وأبو خيثمة قويّ قاعد في عريشيه مع
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٥٢٥.
(٢) مجمع البيان ٥ : ١٢٠ ، الاحتجاج : ٧٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨٣.
(٣) الاحتجاج : ٧٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨٤.
(٤) تفسير الرازي ١٦ : ٢١٥.
(٥ و٦) . تفسير الرازي ١٦ : ٢١٥.
(٧) تفسير القمي ١ : ٢٩٧ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨٤.
(٨) في المصدر : ثبات.
(٩) العريش : كل ما يستظل به ، وفي المصدر : عريشتان ، والعريشة : الهودج.
(١٠) الصخّ : وهو الصوت الشديد يقرع السمع ، وهو صوت قرع الصخرة ، وضرب الحديد على الحديد.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
