لم نقل بالأولويّة ، فلا بدّ من حمل ما دلّ على وجوب الاحتياط في المقام على الاستحباب ، أو على الحرمة المعلومة بالإجمال.
﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ
وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾
ثمّ لمّا كان ارتكاب القبيح من العالم بالقبح قد يكون لأجل الحاجة ، نفاها عن نفسه بإثبات سعه ملكه ، وكمال قدرته بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا حاجة له إلى شيء ، و﴿يُحْيِي﴾ بقدرته الموتى ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياء ، فليس له عجز عن تحصيل مراده.
ثمّ استدلّ على عدم إمكان صدور العقاب منه بلا بيان بغاية لطفه بعباده بقوله : ﴿وَما لَكُمْ﴾ أيّها المؤمنون في عالم الموجود ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواه ﴿مِنْ وَلِيٍ﴾ وحافظ لصلاحكم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ دافع للمضارّ عنكم.
وقيل : إنّه قال قوم من المسلمين : لمّا أمرتنا بالانقطاع عن المشركين فلا يمكننا مخالطة آبائنا وأبنائنا ؛ لأنّه ربّما كان كثير منهم كافرين ، فسلّى سبحانه قلوبهم : بأنّكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ونصرتهم ، فالإله الذي هو مالك السماوات والأرض ، والمحيي والمميت ، ناصركم ووليّكم ، فلا يضرّكم الانقطاع عنهم (١) .
أو المراد : أنّكم لا تخافوا من ضرر الكفّار بالتبرّي منهم ، فإنّ مالك عالم الوجود ؛ القادر على كلّ شيء ، هو ناصركم ووليّكم ، فلا يقدرون على إضراركم. وعلى أي تقدير ، فالآية دالّة على كمال لطفه بعباده المؤمنين.
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ
الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ
رَحِيمٌ (١١٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى أظهر غاية لطفه بخصوص المهاجرين والأنصار بقبول توبتهم ، ضامّا للنبي المعصوم عن كلّ ذنب بهم ، تعظيما لهم ، وتطييبا لقلوبهم ؛ بقوله ، ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ قيل : إنّ نكتة ضمّ النبيّ بهم ، أنّ قبول التّوبة فضل الله ورحمته المخصوصة به ، وكلّ فضل
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٢١٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
