حجارة فأسّس رسول الله صلىاللهعليهوآله مسجدا ، واستتمّ بنيانه عمّار ، فعمّار أوّل من بني مسجدا لعموم المسلمين ، وكان مسجد قبا أوّل مسجد صلّى فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله بأصحابه جماعة ظاهرين ، فلبث رسول الله بقبا بقيّة يوم وروده وهو يوم الاثنين ويوم الثّلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس - وقيل : بضع عشرة ليلة ، وقيل : أربعة عشر يوما - فلمّا تحوّل منه إلى المدينة كان يأتيه يوم السّبت ما شيا أو راكبا ويصلّي فيه ، ثمّ ينصرف (١) .
وقيل : إنّه صلىاللهعليهوآله كان يأتيه في كلّ سنة ويصلّي فيه (٢) .
وقيل : إنّ المراد من المسجد مسجد الرّسول في المدينة (٣) .
وروي أنّ رجلين اختلفا فيه ، فقال أحدهما : مسجد قبا ، وقال آخر : مسجد الرّسول ، فسألاه صلىاللهعليهوآله ، فقال : « هو مسجدي هذا » (٤) .
ثمّ بيّن سبحانه وجه ترجيح مسجد المؤمنين بقوله : ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ مؤمنون ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الأقذار الجسمانيّة ؛ كالبول والغائط ، بالماء والأحجار ، ومن الأقذار الرّوحانيّة ؛ كالذّنوب والأخلاق الرّذيلة ، وأدناس الشكّ والشّرك ، بالتّوبة والرّياضة ، والجدّ في القيام بوظائف العبوديّة ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ويحيط بهم فضله ورحمته.
روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية ، مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتّى وقف على باب مسجد قبا ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : مؤمنون أنتم ؟ فسكت القوم ، ثمّ أعادها ، فقال عمر : يا رسول الله ، إنّهم لمؤمنون ، وأنا معهم ، فقال : أترضون بقضاء الله ؟ قالوا : نعم ، قال : أتصبرون على البلاء ؟ قالوا : نعم ، قال : أتشكرون في الرّخاء ؟ قالوا : نعم ، قال صلىاللهعليهوآله : مؤمنون وربّ الكعبة. ثمّ قال : يا معشر الأنصار ، إنّ الله أثنى عليكم ، فما الذي تصنعون في الوضوء ؟ قالوا : نتبع الماء الحجر ، فقرأ النبيّ : ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ...﴾ الآية (٥) .
وعن الصادق عليهالسلام : « هو الاستنجاء بالماء » (٦) .
وعن الباقر والصادق عليهالسلام : ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا :﴾ بالماء عن الغائط والبول » (٧) .
وروي أنّ أوّل من استنجى بالماء إبراهيم عليهالسلام (٨) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٤.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٥.
(٣) جوامع الجامع : ١٨٦ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٧.
(٤) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٥.
(٥) تفسير الرازي ١٦ : ١٩٦ ، تفسير البيضاوي ١ : ٤٢١ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٨.
(٦) تفسير العياشي ٢ : ٢٦٣ / ١٩٠٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧٩.
(٧) مجمع البيان ٥ : ١١١ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧٩.
(٨) تفسير روح البيان ٣ : ٥٠٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
