﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التخلّف عنكم ﴿إِذا رَجَعْتُمْ﴾ من غزوة تبوك ﴿إِلَيْهِمْ﴾
ثمّ لمّا كان الجواب وظيفة الرسول ، أمره الله بأن يجيبهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ فإنّ فائدة الاعتذار دفع التوهّم السّوء في حقّ المعتذر ، وهو لا يكون إلّا بتصديق المعتذر إليه ، ونحن ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ ولا نصدّقكم في اعتذاركم أبدا ؛ لأنّه ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ﴾ وأخبرنا بالوحي بعضا ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ الموجب للعلم بضمائركم من الكفر والشرّ والفساد ، فلذا لا يمكننا تصديقكم فيما هو معلوم الكذب عندنا ﴿وَسَيَرَى اللهُ﴾ فيما بعد ﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ من التّوبة ، ونصرة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والنّصح له ، وغيرها ممّا له شهادة على صدق اعتذاركم ، ومن الغدر والكفر والفساد ما هو من أدلّة كذبه ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ وترجعون بالموت من الدّنيا ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ﴾ ودار الجزاء المستورة عن الأنظار ﴿وَ﴾ عالم ﴿الشَّهادَةِ﴾ وكشف السّر عمّا في الضمائر ، ورفع الحجاب عن الجنّة والنّار ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ الله عند ردّكم إليه ووقوفكم بين يديه ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدّنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من السيّئات السّابقة واللّاحقة ، والحسنات بما يحكم به عليكم من العتاب والعقاب ، ولكم من الإكرام والثّواب.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ
رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾
ثمّ بعد بيان كذبهم في الاعتذار ، ذمّهم سبحانه بحلفهم الكاذب عليه بقوله : ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾ تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة ﴿إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ وانصرفتم من سفر الغزو ﴿إِلَيْهِمْ :﴾ إنّا ما قدرنا على الخروج ، ولو قدرنا ما تخلّصنا ، كما قيل : إنّه مقالة جدّ بن قيس ، ومعتّب بن قشير وأصحابهما (١)﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ عن لومهم وتعنيفهم ، وتصفحوا عن تقصيرهم. قيل : إنّهم طلبوا إعراض الصّفح ؛ فأمر الله المؤمنين بإعراض المقت (٢) بقوله : ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾
عن ابن عبّاس : يريد ترك الكلام والسّلام (٣) .
وقيل : قال النبي صلىاللهعليهوآله حين قدم المدينة : « لا تجالسوهم ولا تكلّموهم » (٤) .
ثمّ نبّه سبحانه على علّة الإعراض بقوله : ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ وقذر ذاتا وروحا ، لا يتطهّرون بالتّقريع والنّصح ﴿وَمَأْواهُمْ﴾ ومقرّهم في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ﴾ لا ينجون منها ﴿جَزاءً بِما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر وقبائح الأعمال ، فإذا كانوا كذلك تكون مجالستهم ومكالمتهم مؤثّرة في ظلمة
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٤ : ٩٥ ، تفسير روح البيان ٣ : ٤٨٧.
( ٢ و٣ و٤ ) . تفسير الرازي ١٦ : ١٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
