فلمّا مات جاء ابنه يعرّفه ، فقال صلىاللهعليهوآله لابنه : « صلّ عليه وادفنه » . فقال : إن لم تصلّ عليه يا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، لم يصلّ عليه ، مسلم ، فقام صلىاللهعليهوآله ليصلّي عليه ، فقام عمر وحال بين رسول الله وبين القبلة ، لئلّا يصلّي عليه. فنزلت هذه الآية ، وأخذ جبرئيل بثوبه ، وقال : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾(١) .
نقل كلام الفخر الرازي وردّه
قال الفخر الرّازي : إنّ هذا يدلّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر ؛ لأنّ الوحي نزل على وفق قوله (٢) .
أقول : من اعتقد أنّ رأي عمر كان أصوب من رأي رسول الله صلىاللهعليهوآله فهو كافر ، وأمّا اعتقادنا أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ما كان يريد إلّا ما أراد الله ، وأنّه صلىاللهعليهوآله كان يعلم القرآن جميعه قبل نزوله ، وإنّما كان مأمورا بإظهار الرّفق وحسن الخلق بالنّسبة إلى البرّ والفاجر حتّى ينزل الوحي بردعه ، ويكون بذلك معذورا في أنظار النّاس.
بل نقول : إنّ الرّواية وأمثالها دالّة على قدح عظيم في عمر ، وغاية جسارته على الرسول صلىاللهعليهوآله باعتراضه عليه ، وحيلولته بينه صلىاللهعليهوآله وبين القبلة ، واعتقاده أنّه أعقل منه صلىاللهعليهوآله ، ولذا لم يرد عن أمير المؤمنين عليهالسلام أمثال ذلك ، مع كونه أقرب النّاس إلى الرّسول صلىاللهعليهوآله ، وأعزّهم عليه ، وأحبّهم عنده ، وأعقل الصّحابة وأعلمهم ، بل أعقل أهل العالم سوى الرّسول صلىاللهعليهوآله ، ولم يكن ذلك إلّا لغاية معرفتة بشؤون الرّسول ، وتسليمه له ، وتبعيّته لإرادته.
عن القمّي رحمهالله : لمّا رجع رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، مرض عبد الله بن ابيّ وكان ابنه عبد الله مؤمنا ، فجاء إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله وأبوه يجود بنفسه ، فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وامّي ، إنّك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا ، فدخل عليه رسول الله صلىاللهعليهوآله والمنافقون عنده ، فقال له ابنه عبد الله : يا رسول الله ، استغفر له. [ فاستغفر له ] فقال عمر : ألم ينهك الله - يا رسول الله - أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم ؟ فأعرض عنه رسول الله ، فأعاد عليه ، فقال له : « ويلك ، إنّي خيّرت فاخترت ، إنّ الله يقول : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ﴾ إلى قوله : ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾
فلمّا مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فقال : بأبي أنت وامّي يا رسول الله ، إن رأيت أن تحضر جنازته ؟ فحضر رسول الله صلىاللهعليهوآله وقام على قبره ، فقال له عمر : ألم ينهك الله أن تصلّي على أحد منهم مات أبدا ، وأن تقوم على قبره ؟ فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : « ويلك ، وهل تدري ما قلت ؟ إنّما قلت : اللهمّ احش قبره نارا ، وجوفه نارا ، واصله النّار » . فبدا من رسول الله صلىاللهعليهوآله ما لم يكن يحبّ(٣) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ١٥٢.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ١٥٢.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٠٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
