ثمّ كأنّه قيل : كيف كان حالهم ؟ فقال سبحانه : ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ وأعظم قدرة ﴿وَأَكْثَرَ﴾ منكم ﴿أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ وأوفر منكم ثروة وذريّة ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾ واستلذّوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ ونصيبهم المقدّر لهم من حطام الدّنيا ونعيمها.
ثمّ بيّن سبحانه وجه شبههم بهم بقوله : ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ وانتفعتم ﴿بِخَلاقِكُمْ﴾ ونصيبكم من الأمتعة الدّنيويّة مدّة عمركم ، حال كونكم كافرين طاغين عاصين لله ، لأجل الغرور باللّذات ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ﴾ الامم ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ حال كونهم كافرين طاغين عاصين لله ، لأجل الانهماك في الشّهوات ﴿وَخُضْتُمْ﴾ وانغمرتم في الباطل كتكذيب الأنبياء ، والاستهزاء والغدر بهم ﴿كَالَّذِي﴾ ومثل الباطل الذي ﴿خاضُوا﴾ فيه - وقيل : إنّ التّقدير : كالفوج الذي (١) ، وقيل : كالقوم الّذين ، وحذف النّون للتّخفيف (٢) ، وقيل : كالخوض الذي - ﴿أُولئِكَ﴾ الامم المذمومة ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ وبطلت حسناتهم ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بسبب الموت وانتقالهم من الغنى إلى الفقر ، ومن العزّ إلى الذلّ ، ومن القوّة إلى الضّعف ﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بسبب ضياع ثوابهم وابتلائهم بالعقاب ﴿وَأُولئِكَ﴾ بالخصوص ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ والمتضرّرون ، حيث ضيّعوا عمرهم الذي كان بمنزلة رأس مالهم ، وأتعبوا أنفسهم في تحصيل العزّ والجاه والنّعم ، بالسّعي في تكذيب الأنبياء ومعارضتهم والغدر بهم ، ولم يستفيدوا إلّا الحرمان من الخيرات الدّنيويّة والاخرويّة ، والذلّ الدائم ، والعقوبة الأبديّة ، فهم مع كونهم أقوى منكم كانت حالهم تلك ، فأنتم مع ضعفكم بسبب اشتراككم معهم في الكفر والطّغيان أولى بحبط الأعمال وغاية الخسران.
﴿أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد تشبيه المنافقين بالامم المهلكة في الرّغبة في الدّنيا والتمتّع بها ، والإعراض عن الآخرة والإصرار على الكفر ، وتكذيب الأنبياء ، وغاية الخسران ، ذكر طوائف مشهورة بتلك الصّفات (٣) منهم ، وابتلائهم بعذاب الاستئصال بقوله : ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ وهل لم يبلغهم ﴿نَبَأُ﴾ الامم ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وخبرهم الذي له شأن عظيم ؟
ثمّ كأنّه أجاب عن الاستفهام وقال : نعم ، بلغهم نبأ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أنّهم اهلكوا بالطّوفان ﴿وَ﴾ قوم
__________________
(١ و٢) . تفسير روح البيان ٣ : ٤٦٢.
(٣) في النسخة : مشهورة بالصفات.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
