أصحابك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قيل : هو صدّ النّاس عن الدّخول في الإسلام (١) . وقيل : هو ما فعله عبد الله بن أبيّ يوم احد من انصرافه مع أصحابه عن النبيّ صلىاللهعليهوآله (٢) ، وقيل : هو أن اثني عشر من المنافقين وقفوا على ثنيّة الوداع ليلة العقبة ليفتكوا به ، فأخبره الله بذلك (٣) ، وقيل : هو إلقاؤهم شيئا بين قوائم ناقة النبيّ باللّيل حتّى تنفر وتلقي النبيّ صلىاللهعليهوآله عن ظهرها (٤) وقيل : هو قولهم يوم الأحزاب : ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾(٥) والحقّ أنّ الكلّ داخل في الفتنة.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ ودبّروا في إطفاء نورك الحيل ، وكانوا مصرّين ومستمرّين على ذلك ﴿حَتَّى جاءَ الْحَقُ﴾ من النّصر والتّأييد لك ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ ونشر دينه وعلا شرفه ، على رغم منهم ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ لذلك.
وحاصل المراد : أنّه لم يؤثّر مكرهم وسعيهم في إثارة الفتنة شيئا ، بل كلّما مكروا ردّ الله مكرهم في نحرهم ، وقلب مرادهم ، وأتى بضدّ مقصودهم ، وكذلك يكون فيما بعد. وفيه تسلية النبيّ صلىاللهعليهوآله وأصحابه.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
بِالْكافِرِينَ (٤٩)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في ذمّهم بقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ لك يا رسول الله : ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في الإقامة في البلد ، والقعود عن السّفر ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ ولا تبتلني بالوقوع في عصيانك بالقعود بغير إذنك ، أو لا تهلكني بسبب السّفر في شدّة الحرّ مع ضعف الحال وقلّة الطّاقة ، أو لا تبتلني بتلف العيال والمال.
قيل : إنّه قال الجدّ بن قيس : قد علمت الأنصار أنّي مغرم بالنّساء ، فلا تفتنّي ببنات الأصفر - يعني : نساء الرّوم - لكنّي اعينك بمالي فاتركني (٦) .
ثمّ ردّهم سبحانه بقوله : ﴿أَلا﴾ تنبّهوا أيّها المسلمون أنّهم ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾ والشرّ من الكفر بالله ورسوله وعصيانهما ﴿سَقَطُوا﴾ وفي الخوف من المسلمين والفضيحة بينهم بظهور النّفاق والحرمان من السّعادات الدّنيويّة والاخرويّة وقعوا في الدّنيا ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لإحاطة أسباب دخولها بهم في الدّنيا ، وهؤلاء المنافقون منهم.
القمّي : لقي رسول الله صلىاللهعليهوآله الجدّ بن قيس فقال له : يا أبا وهب ، ألا تنفر معنا في هذه الغزوة ، لعلّك
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٨٣.
(٢ و٣) . تفسير الرازي ١٦ : ٨٣ ، تفسير أبي السعود ٤ : ٧١.
(٤) تفسير روح البيان ٣ : ٤٤٣.
(٥) تفسير روح البيان ٣ : ٤٤٣ ، والآية من سورة الأحزاب : ٣٣ / ١٣.
(٦) تفسير الرازي ١٦ : ٨٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
