اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)﴾
ثمّ بيّن الله سبحانه عدم إرادة المنافقين المعتذرين من أولّ الأمر الخروج إلى تبوك بقوله : ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ معك إلى تبوك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ وتهيّأوا لسفرهم في وقته ﴿عُدَّةً﴾ واهبة ، عن ابن عبّاس : يريد الزّاد والماء والرّاحلة ؛ لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد ، فتركهم العدّة دليل على أنّهم أرادوا التخلّف (١) ، ولو أراد الله خروجهم بالإرادة التّكوينيّة ، لخرجوا وجاهدوا معكم ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ ونهوضهم للخروج لما فيه من المفاسد ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ وحبسهم عن الخروج بإلقاء الجبن في قلوبهم ، والكسل عليهم ﴿وَقِيلَ﴾ لهم من قبل الرّسول صلىاللهعليهوآله : أيّها المنافقون ﴿اقْعُدُوا﴾ في أماكنكم ﴿مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ في بيوتهم من النّساء والصّبيان. وفيه غاية ذمّهم بإلحاقهم بالعجزة.
والظّاهر أنّ هذا القول هو إذنهم الذي عاتب الله عليه بقوله : ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾
وقيل : إنّ القائل هو الله ؛ لأنّه كره انبعاثهم ، فنزل منزلة الأمر بالقعود (٢) .
وقيل : إنّ القائل بعضهم (٣) ، وقيل : هو الشّيطان بوسوسته (٤) .
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾
ثمّ شرح الله مفاسد خروجهم بقوله : ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ هؤلاء المنافقون ﴿فِيكُمْ﴾ أيّها المسلمون إلى الغزو ﴿ما زادُوكُمْ﴾ شيئا ﴿إِلَّا خَبالاً﴾ وشرّا ومكرا وخديعة ، أو غيّا أو اضطرابا في الرأي ، بالتّجبين وتهويل أمر الكفّار ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ ومشوا ﴿خِلالَكُمْ﴾ وفيما بينكم بالنميمة (٥) ، أو أسرعوا ركائبهم بينكم بإلقاء العداوة ، وما يوجب الانهزام فيكم ، وهم ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ ويطلبون لكم ﴿الْفِتْنَةَ﴾ واختلاف الكلمة ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ﴾ ونمّامون وجواسيس ﴿لَهُمْ﴾ لينقلوا إليهم ما سمعوه منكم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ ومحيط ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾ ظواهرهم وبواطنهم ، أقوالهم وأعمالهم.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ
وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)﴾
ثمّ أخبر الله بأنّ التفتين هو دأبهم السّابق بقوله : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ وطلبوا ﴿الْفِتْنَةَ﴾ والاختلاف بين
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٧٨.
( ٢و٤ ) تفسير الرازي ١٦ : ٨٠ ، تفسير أبي السعود ٤ : ٧١.
(٥) في النسخة : بالنمام.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
