والاختفاء عنده.
الرّابع : أنّه تعالى سمّاه ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فجعله ثاني محمّد ، حال كونهما في الغار (١) .
وفيه : أنّ المراد بيان أنّ الله نصر النبي صلىاللهعليهوآله بطريق خارق للعادة ، حيث أخرجه من بين أظهر الكفّار ولم يكن معه إلّا رجل واحد وكان النبي صلىاللهعليهوآله ثانيه. وعليه ،
فلا شبهة في أنّ المراد من ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ الثاني في العدد لا الثاني في الفضيلة والرّتبة والمنزلة عند الله.
ولعمري إنّ هذا في الوضوح بمكان لا يخفى على أحد حتّى الأحمق العيّ ، فكيف بالفاضل الزكيّ ؟ والعجب من الفخر وأضرابه أنّهم تخيّلوا أنّ المراد الثاني في المنزلة ، مع أنّهم قالوا : إذا حضر اثنان يقال لكلّ واحد أنّه ثاني اثنين ، أي هو أحدهما.
ثمّ قال الفخر : والعلماء أثبتوا أنّ أبا بكر كان ثاني محمّد صلىاللهعليهوآله في أكثر المناصب الدّينيّة ، فإنّه صلىاللهعليهوآله لمّا أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن به أبو بكر ، ثمّ ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزّبير وعثمان بن عفّان وجماعة آخرين من أجلّة الصّحابة ، والكلّ آمنوا على يديه ، ثمّ إنّه جاء بهم إلى رسول الله بعد أيام قلائل ، فكان هو ثاني اثنين في الدّعوة إلى الله (٢) .
أقول فيه : أولا : لا نسلّم أنّه آمن بدعوته [ أحد ] إلّا قليل ممّن كان إيمانه كإيمانه ؛ كطلحة الذي قال : إنّ محمّدا يحرّم علينا نساءه ويتزوّج هو بنسائنا ، لئن أمات الله محمّدا لنركضنّ بين خلاخيل نسائه ، كما ركض بين خلاخيل نسائنا (٣) . وكعثمان الذي ملأت مطاعنه الدّفاتر.
وثانيا : كان جعفر بن أبي طالب أولى منه بأن يكون ثاني اثنين محمّد صلىاللهعليهوآله في الدّعوة ، حيث إنّه هاجر إلى الحبشة وآمن بدعوته النّجاشي وجماعة كثيرة.
ثمّ قال : وأيضا كلّما وقف رسول الله صلىاللهعليهوآله في غزوة ، كان أبو بكر يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه (٤) .
أقول فيه : إنّ وقوفه عند رسول الله صلىاللهعليهوآله في الغزوات كان لجبنه وضعف قلبه ، وعدم كونه من رجال الحرب وباذلا مهجته للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولذا لم يكن ممّن بايع رسول الله صلىاللهعليهوآله على الموت في غزوة احد ، مع كونه عنده صلىاللهعليهوآله.
ثمّ قال : ولمّا مرض رسول الله صلىاللهعليهوآله قام مقامه في إمامة النّاس في الصلاة ، فكان ثاني اثنين (٥) .
أقول : العجب ممّن لا يستحي من القول الباطل ، كيف لم يقل إنّه أقامه رسول الله صلىاللهعليهوآله مقامه في
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٦٤.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ٦٤.
(٣) تفسير القمي ٢ : ١٩٥ ، بحار الأنوار ١٧ : ٢٧.
(٤ و٥) . تفسير الرازي ١٦ : ٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
