في استدلال العامة على فضيلة أبي بكر وردّه
ثمّ أعلم أنّه استدلّت العامّة بهذه الآية على فضيلة أبي بكر ، وأن إيمانه كان حقيقيّا بوجوه ضعيفة نقلها الفخر الرازي (١) :
الأوّل : أنّه صلىاللهعليهوآله إنّما ذهب إلى الغار لأجل أنّه كان يخاف الكفّار من أن يقدموا على قتله ، فلولا أنّه كان قاطعا على باطن أبي بكر بأنّه كان من المؤمنين المحقّين الصادقين الصدّيقين لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ؛ لأنّه لو جوّز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره لخافه من أن يدلّ عليه أعداءه ، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله (٢) .
وفيه : أنّه يمكن أن النبيّ صلىاللهعليهوآله كان قاطعا بأنّه لو لم يصحبه معه مع استدعائه المصاحبة كان يفسد في أمره ، وكان عالما بأنّه يحفظه من أعماله السيّئة ، ومن أن يخبر الكفّار بمكانه إذا صحبه ، مع علمه صلىاللهعليهوآله بعدم قدرته مع ضعف بدنه وقلبه على الإساءة إليه وإصابته بمكروه.
الثّاني : أن الهجرة كانت (٣) بأمر الله ، وكان في خدمة رسول الله صلىاللهعليهوآله. جماعة من المؤمنين المخلصين ، وكانوا في النّسب إلى شجرة رسول الله صلىاللهعليهوآله أقرب من أبي بكر ، فلولا أنّ الله أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك القضيّة الهائلة لما كان يستصحبه ، ولا يخصّه بهذه الصّحبة ، وتخصيص الله إيّاه بهذا التّشريف دلّ على منصب عال له في الدّين (٤) .
وفيه : أنّ صريح روايتهم أنّه حين ملاقاته النبيّ واطّلاعه على هجرته ، التمس منه الصّحبة ، فأجابه النبيّ إليها ، ولو كان استصحابه بأمر الله لبشّره النبيّ به في بدو ملاقاته ، مع أنّه يمكن أنّ الله أمر النبي باستصحابه خاصّة لحكم ؛ منها أنّه لو لم يستصحبه وأبقاه في مكّة ، لم يكن على إسلامه الظّاهري ؛ لأنّه كان منه على حرف ، فاقتضت الحكمة حفظ إسلامه ليقضي [ الله ] أمرا كان مفعولا.
الثّالث : أنّ كلّ من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أمّا هو فما سبق رسول الله كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته ، عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد (٥) .
وفيه : أنّ المراد من الخوف الشّديد الذي لم يبق معه أحد ، هو الحاصل من اتّفاق قريش على قتله في دار النّدوة ، واجتماعهم على باب داره ، لذلك فالظّاهر أنّه لم يطّلع عليه أحد من الأصحاب حتّى أبي بكر ؛ لأن النبيّ صلىاللهعليهوآله اطّلع عليه في مساء ذلك اليوم بإخبار جبرئيل ، ولم يكن أبو بكر في ملازمته وخدمته ، بل ذهب النبيّ - على ما رووه - إلى بيت أبي بكر في قرب من نصف اللّيل ، بعد أن أمر عليّا عليهالسلام بالمبيت على فراشه. وعلى صدق الرّواية لعلّه كان ذهابه إلى بيته لأجل شرائه ناقته
__________________
(١) تفسير الرازي ١٦ : ٦٣.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ٦٣.
(٣) في النسخة : كان.
(٤ و٥) . تفسير الرازي ١٦ : ٦٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
