فمضوا حتّى كان من القوم مسيرة بعض ليله ، وقال مالك بن عوف لقومه : ليصيّر كلّ رجل منكم أهله وماله خلف ظهره ، واكسروا جفون سيوفكم ، واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي الشّجر ، فإذا كان في غلس الصّبح فاحملوا حملة رجل واحد ، وهدّوا القوم ، فإنّ محمّدا لم يلق أحدا يحسن الحرب.
فلمّا صلّى رسول الله صلىاللهعليهوآله الغداة انحدر في وادي حنين ، وهو واد له انحدار بعيد ، وكان بنو سليم على مقدّمته ، فخرج عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية ، فانهزمت بنو سليم وانهزم من وراءهم ، ولم يبق أحد إلّا انهزم ، وبقي أمير المؤمنين يقاتلهم في نفر قليل ، ومرّ المنهزمون برسول الله صلىاللهعليهوآله لا يلوون على شيء ، وكان العبّاس آخذا بلجام بغلة رسول الله صلىاللهعليهوآله عن يمينه ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب عن يساره ، فأقبل رسول الله صلىاللهعليهوآله ينادي : « يا معشر الأنصار ، إلى أين (١) ؟ أنا رسول الله » . فلم يلو أحد عليه.
وكانت نسيبة بنت كعب المازنيّة تحثو في وجوه المنهزمين التّراب وتقول : إلى أين تفرّون عن الله وعن رسوله ؟ ومرّ بها عمر فقالت : ويلك ، ما هذا الذي صنعت ؟ فقال لها : هذا أمر الله.
فلمّا رأى رسول الله صلىاللهعليهوآله. الهزيمة ركض نحوهم على بغلته وقد شهر سيفه وقال : « يا عبّاس اصعد هذا الظّرب (٢) وناد : يا أصحاب البقرة ، ويا أصحاب الشّجرة ، إلى أين تفرّون ؟ هذا رسول الله» .
ثمّ رفع رسول الله صلىاللهعليهوآله يده فقال : « الّلهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان » . فنزل عليه جبرئيل فقال : يا رسول الله ، دعوت بما دعا [ به ] موسى حيث فلق الله له البحر ونجّاه من فرعون ، ثمّ قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لأبي سفيان [ بن ] الحارث : ناولني كفّا من الحصى فناوله ، فرماه في وجوه المشركين ثمّ قال : « شاهت الوجوه » ، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وقال : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد ، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد » .
فلمّا سمعت الأنصار نداء العباس ، عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون : لبّيك ، ومرّوا برسول الله صلىاللهعليهوآله واستحيوا أن يرجعوا إليه ، ولحقوا بالرّاية ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله للعباس : « من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ » فقال : يا رسول الله ، هؤلاء الأنصار ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله « الآن حمي الوطيس » ، ونزل النّصر من الله ، وانهزمت هوازن ، وكانوا يسمعون قعقعة السّلاح في الجوّ ، وانهزموا في كلّ وجه ، وغنّم الله رسوله أموالهم ونساءهم وذراريهم ، وهو قول الله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ
__________________
(١) زاد في القمي : المفرّ.
(٢) الظّرب : الجبل المنبسط.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
