وأوّل من قاس إبليس فكفر بقياسه ، فمن قاس الدّين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس (١) .
وعن الصادق عليهالسلام ، في حديث : « فطرده الله عن جواره ، ولعنه وسمّاه رجيما ، وأقسم بعزّته : لا يقيس أحد في دينه إلّا قرنه مع عدوّه إبليس في أسفل درك من النّار » (٢) .
وعنه عليهالسلام أنّه دخل عليه أبو حنيفة ، فقال : « يا أبا حنيفة ، بلغني أنّك تقيس ؟ » ، قال : نعم أقيس ، قال : « لا تقس ، فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال : ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فقاس ما بين النّار والطّين ، ولو قاس نوريّة آدم بنوريّة النّار ، عرف فضل ما بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر » (٣) .
﴿قالَ﴾ الله تعالى لابليس وهو في جنّة عدن - كما عن ابن عبّاس (٤) - أو في جنّة الدّنيا : ﴿فَاهْبِطْ﴾ وانزل أو انتقل ﴿مِنْها﴾ إلى الأرض ، أو إلى خارجها ، أو من المنزلة التي أنت عليها ، أو من زمرة الملائكة ﴿فَما يَكُونُ﴾ جائز ﴿لَكَ﴾ يا إبليس ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ وتترفّع في وقت من الأوقات ، أو مكان من الأمكنة ، لا سيّما ﴿فِيها﴾ لأنّها مكان المطهّرين من الرّذائل.
ثمّ أكّد الأمر بخروجه بقوله : ﴿فَاخْرُجْ﴾ من الجنّة ، أو من زمرة الملائكة المكرمين ﴿إِنَّكَ﴾ بتكبّرك وعصيانك بعد ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ومن زمرة الأذلّاء المهينين.
عن ابن عبّاس : يريد أنّ أهل السّماوات ملائكة متواضعون خاشعون ، فاخرج إنّك من الصّاغرين.
والصّغار : الذلّة (٥) .
في التواضع وذمّ التكبر
قيل : إنّ إبليس طلب التكبّر فابتلاه الله بالذلّة والصّغار ، تنبيها على صحّة ما قاله النبيّ صلىاللهعليهوآله : « من تواضع رفعه الله ، ومن تكبّر وضعه الله » (٦) .
﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٤) و (١٥)﴾
ثمّ لمّا اشتدّت عداوته لآدم عليهالسلام وذريّته طلب الفسحة لإغوائهم و﴿قالَ﴾ بعد طرده من الجنّة والرّحمة : ربّ ﴿أَنْظِرْنِي﴾ وأمهلني في الدّنيا ، وأدم حياتي ﴿إِلى يَوْمِ﴾ القيامة الذي فيه ﴿يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم ويحشرون إليك لجزاء أعمالهم. ولمّا اقتضت الحكمة ابتلاء آدم وذريّته ، استجاب دعاءه و﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ والممهلين ، ولكن لا إلى يوم البعث ، وهو النّفخة الثانية ، بل إلى يوم يموتون جميعا بالنّفخة الاولى.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٤ : ٣٤.
(٢) علل الشرائع : ٦٢ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٨٣.
(٣) الكافي ١ : ٤٧ / ٢٠ ، الاحتجاج : ٣٦٢ ، علل الشرائع : ٨٦ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ١٨٣.
(٤) تفسير الرازي ١٤ : ٣٥.
(٥) تفسير الرازي ١٤ : ٣٥.
(٦) تفسير الرازي ١٤ : ٣٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
