ثمّ بيّن أنّ هذه الأربعة أيضا مباحة عند الضّرورة منّة على العباد بقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ وألجأته الضّرورة إلى أكل شيء من تلك المحرّمات ، وكان ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ لذّة ، أو غير متعدّ على مضطرّ آخر مثله ﴿وَلا عادٍ﴾ ومتجاوز في الأكل على قدر الضّرورة ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ له لا يؤاخذه بأكله ﴿رَحِيمٌ﴾ به لا يرضى بضرره ومشقّته.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ
شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ
جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّه حرّمت أشياء اخر على خصوص اليهود بسبب كثرة عصيانهم بقوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَ﴾ حيوان ﴿ذِي ظُفُرٍ﴾ وإصبع كالإبل والطّيور.
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : أنّه الإبل والنّعامة (١) . وفي رواية اخرى : إنّه الإبل فقط (٢) .
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ وثروبهما ﴿إِلَّا ما حَمَلَتْ﴾ واشتملت به ﴿ظُهُورُهُما﴾ من شحم الكتفين إلى الوركين من داخل وخارج. كما قيل (٣) .
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : إلّا ما علق بالظّهر من الشّحم (٤) .
وعن قتادة : إلّا ما علق بالظّهر والجنب من داخل بطونها (٥) .
﴿أَوِ الْحَوايا﴾ وما التصق بالمباعر (٦) والمصارين من الشّحوم ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ﴾ والتصق ﴿بِعَظْمٍ﴾ كشحم الإلية ، وكان ﴿ذلِكَ﴾ التّحريم عليهم جزاء ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ وظلمهم على أنفسهم بارتكاب المعاصي من أكل الرّبا ، وأخذ أموال النّاس بالإثم ، وقتل الأنبياء.
قيل : إنّهم كلّما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء ممّا أحلّ لهم. وفيه ردّ على ما أدّعوا من أنّ كلّ ذلك لم يزل محرّما على الامم الماضية ، وكانوا مصرّين عليه ؛ ولذا أكّد سبحانه كذبهم في الدّعوى بقوله : ﴿وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾(٧) في إخبارنا بتخصيص حرمة تلك الأشياء بعلّة بغيهم ، وإنّهم لكاذبون في أنّها لم تزل محرّمة.
__________________
(١ و٢) . تفسير الرازي ١٣ : ٢٢٣.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ١١٥.
(٤) تفسير الرازي ١٣ : ٢٢٣.
(٥) تفسير الرازي ١٣ : ٢٢٣.
(٦) المباعر : جمع مبعر ، وهو مكان خروج البعر من الأمعاء ، أو المصران الحاوي للبعر.
(٧) تفسير روح البيان ٣ : ١١٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
