المطيعين ، ولا ضرر عليه من معصية العاصين ، وإنّما كلّف الثّقلين لأنّه ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الواسعة على خلقه ، ومن رحمته عليهم أن يكلّفهم بما يوجب تكميل نفوسهم واستعدادهم للفيوضات الأبديّة والنّعم الدّائمة ، وتعاليهم إلى الدّرجات العالية ، وسعادتهم بالقيام إلى الطّاعة والتّحرّز عن القبائح.
ثمّ لمّا أعلن سبحانه بغناه وسعة رحمته ، أردفه بإظهار كمال قدرته ببيان فيه ترهيب للقلوب بقوله:
﴿إِنْ يَشَأْ﴾ الله أيّها النّاس ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ من وجه الأرض ويهلككم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾ ويخلق بدلا منكم ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ﴾ وبعد إهلاككم ﴿ما يَشاءُ﴾ خلقه من قوم يكونون أطوع منكم له تعالى ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ﴾ وأوجدكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ومن نسلهم مع عدم كونهم مثلكم في العصيان ، بل كانوا مطيعين كأصحاب سفينة نوح ، ولكنّه تعالى لم يشأ إذهابكم ، ولم يعجل في إهلاككم رحمة عليكم.
﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي
عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في ترهيب العصاة بقوله : ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ من العذاب على الكفر والعصيان ، والله ﴿لَآتٍ﴾ وكائن لوجود المقتضي وهو الاستحقاق ، والوعد الذي لا خلف فيه ، وعدم فرض المانع عنه إلّا قدرتكم على تعجيز الله ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ له تعالى ، وفائتين منه ، وهاربين من سلطانه.
ثمّ أمر الله سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بتهديدهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ، تهديدا لقومك العصاة : ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ما تريدون من الطّغيان والعصيان مجدّين فيه ﴿عَلى﴾ غاية ﴿مَكانَتِكُمْ﴾ ومنتهى قدرتكم واستطاعتكم ، أو اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والطّغيان وعداوة الرّسول ، ولا تنحرفوا عنه ، و﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أيضا بما امرت به من الصّبر على عداوتكم ، والجدّ في تبليغ رسالتي على مكانتي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ﴾ هذه ﴿الدَّارِ﴾ الفانية التي خلقت لتلك العاقبة ، والنتيجة من الفلاح والنّعمة والرّاحة الدّائمة ، ومن لا تكون له.
ثمّ صرّح بحرمان المشركين من العاقبة المحمودة بقوله : ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ المشركون الّذين هم ﴿الظَّالِمُونَ﴾ على أنفسهم بالكفر والعصيان ، ولا ينجون أبدا من العذاب ، ولا يفوزون بمقاصدهم.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا
لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى
شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
