﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾
ثمّ بشّر سبحانه المتذكّرين بقوله : ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿دارُ السَّلامِ﴾ ومنزل مصون من جميع المكاره والآفات ، قيل : إنّ السّلام اسم من أسماء الله (١) . وإضافة الدّار إليه تعالى مبالغة في تشريفها وتعظيمها ، والمراد الجنّة.
وعن القمّي : « يعني : [ في ] الجنّة ، والسّلام الأمان والعافية والسّرور » (٢) .
وهي معدّة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اللّطيف بهم حاضرة لديه ، أو المراد أنّه تعالى متكفّل بها ، وقيل : عند ربّهم كناية عن غاية شرفها وكرامتها (٣) .
ثمّ بالغ سبحانه في التّبشير بقوله : ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ ومحبّهم ، أو النّاظر في صلاحهم ، وعن القمّي رحمهالله : « يعني : أولى بهم » (٤) جزاء ﴿بِما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ من الخيرات والحسنات.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ
أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٨) و (١٢٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد البشارة بغاية لطفه بالمؤمنين ، أوعد بعتابه وشدّة عذابه للمشركين بقوله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ إلى القيامة ﴿جَمِيعاً﴾ ويقول عتابا وتوبيخا لهم : ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِ﴾ وجماعة الشّياطين ، أنتم ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ وأضفتم إلى جماعتكم كثيرا ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ بإغوائكم وتسويلاتكم ، وصيّرتموهم أولياءكم وأتباعكم.
عن القمّي رحمهالله : « من والى قوما فهو منهم ، وإن لم يكن من جنسهم » (٥) .
﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ﴾ وأتباعهم ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ بعد استماع العتاب والتّوبيخ إظهارا للنّدامة : ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ﴾ وانتفع ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أمّا انتفاع الجنّ بالإنس فبإغوائهم وطاعتهم إيّاهم ، وأمّا انتفاع الإنس من الجنّ فبإعانتهم إيّاهم على نيل الشّهوات ﴿وَبَلَغْنا﴾ الآن ﴿أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾ وأدركنا الوقت الذي وقّته لنا من يوم القيامة ، بعدما كنّا مكذّبين به طاعة للشّياطين واتّباعا للشّهوات.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ١٨٨.
(٢) تفسير القمي ١ : ٢١٦ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥٧.
(٣) تفسير الرازي ١٣ : ١٨٩.
(٤) تفسير القمي ١ : ٢١٦ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥٧.
(٥) تفسير القمي ١ : ٢١٦ ، تفسير الصافي ٢ : ١٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
