أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾
ثمّ لمّا أنكر اليهود والنّصارى ثبوت ذكر لمحمّد صلىاللهعليهوآله في كتبهم ، كذّبهم الله تعالى بقوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ من اليهود والنّصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ بحليته ونعوته المذكورة في كتبهم ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ﴾ بحلاهم المعيّنة.
عن القمّي رحمهالله : نزلت في اليهود والنّصارى ، لأنّ الله قد أنزل عليهم في التّوراة والإنجيل والزّبور صفة محمّد صلىاللهعليهوآله وصفة أصحابه ومهاجره (١) ، وهو قوله تعالى : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ إلى قوله : ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾(٢) فلمّا بعثه الله عزوجل عرفه أهل الكتاب ، كما قال جلّ جلاله : ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾(٣) .
روي أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لمّا قدم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله تعالى على نبيّه هذه الآية ، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال : يا عمر ، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد صلىاللهعليهوآله منّي بابني ؛ لأنّي لا أدري ما صنع النّساء ، وأشهد أنّه حقّ من الله تعالى (٤) .
ثمّ ذمّهم الله بغاية الخسران وعدم الإيمان بقوله : ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وغبنوا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بإعراضهم عن ما في كتبهم من البيّنات على أنّ محمّدا صلىاللهعليهوآله هو النبيّ المنعوت فيها ﴿فَهُمْ﴾ لأجل الخسران والطّبع على القلوب ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بنبوّة محمّد صلىاللهعليهوآله.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ (٢١)﴾
ثمّ نبّه سبحانه بأنّ المفترين على الله بنسبة ما ليس في كتابه إليه ، أو نسبة الشّريك إليه والمكذّبين للمعجزات ، أظلم النّاس بقوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ على نفسه ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن قال : إنّ صفات النبيّ الموعود في الكتابين غير الصّفات التي تكون لمحمّد ، أو قال : إنّ الملائكة بنات الله ، وإنّ الأصنام شفعاؤنا عند الله ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ من القرآن وسائر معجزات النبيّ.
ثمّ هدّدهم بقوله : ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ولا يفوزون بمطلوب من النّجاة من النّار ، والدّخول في الجنّة ، فكيف يحتمل الفلاح في حقّ من هو أظلم النّاس ؟
__________________
(١) في المصدر : أصحابه ومبعثه وهجرته.
(٢) الفتح : ٤٨ / ٢٩.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٣ ، تفسير الصافي ٢ : ١١٢ ، والآية من سورة البقرة : ٢ / ٨٩.
(٤) تفسير الرازي ١٢ : ١٧٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
