﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر البرهان العقلي والأمر الإلهي علّة لوجوب اختصاص ولايته بالله ، ذكر علّة ثالثة له بقوله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ﴾ ويبتليك ﴿بِضُرٍّ﴾ وبلاء كالمرض والفقر ونحوهما ﴿فَلا كاشِفَ﴾ ولا دافع ﴿لَهُ﴾ بقدرته ﴿إِلَّا هُوَ﴾ تعالى وحده ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ ويصبك ﴿بِخَيْرٍ﴾ ونفع من سرور وصحّة وغنى وأمثالها ، فلا قادر على منعه ﴿فَهُوَ﴾ تعالى ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الضرّ والخير وإبقائهما ورفعهما ، وغير ذلك من الأمور ﴿قَدِيرٌ﴾ لا يمنعه عن إنفاذ إرادته مانع.
عن ابن عبّاس رضى الله عنه ، أنّه [ قال ] : اهدي إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله بغلة ، أهداها كسرى ، فركبها بحبل من شعر ، ثمّ أردفني خلفه ، ثمّ سار بي مليّا ، ثمّ التفت إليّ فقال : « يا غلام » ، فقلت : لبّيك يا رسول الله ، فقال : « احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشدّة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، فقد مضى القلم بما هو كائن ، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصّبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فاصبر ، فإنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا » (١) .
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾
ثمّ قرّر سبحانه كمال قدرته وعلمه وحكمته ، الموجب على العاقل تخصيص ولايته به ، وعدم العدول عنه إلى غيره ، بقوله : ﴿وَهُوَ﴾ تعالى ﴿الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ والغالب عليهم بقدرته ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المتقن في صنعه ، الحافظ للمصالح في أفعاله ، و﴿الْخَبِيرُ﴾ والعليم بما صحّ أن يخبر عنه ، فإذا كان الله مستجمعا لجميع الصّفات الكماليّة التي مرجع جميعها إلى العلم والقدرة ، كان حقيقا بأن يعوّل عليه في جميع الأمور ، ويرجع إليه في كلّ المطالب ، ويعرض عمّا سواه.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ١٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
