أقول فيه : إنّ إنكار دلالة ( إنّما ) على الحصر إنكار للضّرورة ، وأمّا آية ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ دالّة على حصر المثل الكامل في المثليّة ، والآية الثانية دالّة على حصر الحياة الدّنيا في اللّعب ، لا حصر اللّعب واللهو فيها.
ثمّ قال : والثّاني : أنّا نسلّم الاختصاص ، ونقول : إنّ الله قسّم المؤمنين قسمين ؛ أحدهما : الّذين جعلهم مولى عليهم ، والثاني : الأولياء ؛ وهم المؤمنين الموصوفون في الآية ، فالمعنى : أنّ الله جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الآخر ، ولا يمكن أن يكونوا أنصارا لجميع المؤمنين حتّى أنفسهم ، فثبت أنّ نصرة أحد القسمين من الامّة غير ثابتة لكلّ الامّة ، بل مخصوصة بالقسم الثّاني من الامّة ، فلم يلزم من كون الولاية في الآية خاصّة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بدّ من التّأمّل فيه (١) .
أقول : معنى كون النّصرة عامّة أنّ كلّ مؤمن يكون ناصرا لغيره من المؤمنين ، ولا يختصّ بخصوص المؤمنين الموصوفين بالوصفين في الآية ، فظهر أنّ بطلان جوابه من شدّة الوضوح غير محتاج إلى التّأمّل.
ثمّ قال : وأمّا استدلالهم بأنّ هذه الآية نزلت في [ حق ] عليّ ، فهو ممنوع ، فقد بيّنا أنّ أكثر المفسّرين زعموا أنّه في حقّ الامّة ، ومنهم من يقول أنّها نزلت في حقّ أبي بكر.
أقول : قال البيضاوي في تفسيره : ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ متخشّعون في صلاتهم وزكاتهم ، وقيل : هو حال مخصوصة ب ( يؤتون ) ، أي يؤتون الزّكاة في حال ركوعهم في الصّلاة حرصا على الإحسان ومسارعة إليها ، فإنّها نزلت في عليّ عليه الصّلاة والسّلام حين سأله سائل وهو راكع في صلاته ، فطرح له خاتمه (٢).
وقال آية الله العلامة الحلّي في ( نهج الحق ) ، بعد ذكر الآية : أجمعوا على نزولها في عليّ عليهالسلام ، وهو مذكور في الصحاح الستّة ، لمّا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصّحابة (٣) .
وقرّره فضل بن روزبهان مع شدّة تعصّبه وكمال اهتمامه في الرّدّ عليه على دعوى الإجماع ، ولم ينكر عليه ، ولم يناقش في سند الرّواية (٤) .
ثمّ قال الفخر النّاصب : أمّا استدلالهم بأنّ الآية مختصّة بمن أدّى الزّكاة في الرّكوع وهو عليّ بن أبي طالب ، فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه :
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٣٠.
(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٢٧٢.
(٣) نهج الحق : ١٧٢ ، جامع الأصول ٩ : ٤٧٨.
(٤) راجع : إحقاق الحق ٢ : ٤٠٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
