طالب عليهالسلام (١) .
بيان المقام الأوّل : أنّ الوليّ في اللّغة جاء بمعنى النّاصر ، والمحبّ ، كما في قوله تعالى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾(٢) ، وجاء بمعنى المتصرّف ، قال عليهالسلام : « أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها ... » ، فنقول : ها هنا وجهان :
الأوّل : أنّ لفظ الوليّ جاء بمعنيين (٣) ، ولم يعيّن الله مراده ، ولا منافاة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب دلالة الآية على أنّ المؤمنين المذكورين في الآية متصرّفون في الامّة.
الثاني : أن نقول : الوليّ في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى النّاصر ، فوجب أن يكون بمعنى المتصرّف ، وإنّما قلنا أنّه لا يجوز أن يكون بمعنى النّاصر ؛ لأنّ الولاية المذكورة في [ هذه ] الآية غير عامّة في كلّ المؤمنين ، بدليل أنّه تعالى ذكر بكلمة ( إنّما ) ، وكلمة ( إنّما ) للحصر كقوله تعالى : ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾(٤) ، والولاية بمعنى النّصرة عامّة لقوله تعالى : ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وهذا يوجب القطع بأنّ الولاية المذكورة في هذه [ الآية ] ليست بمعنى النّصرة ، وإذا لم تكن بمعنى النّصرة كانت بمعنى التّصرّف ؛ لأنّه ليس للوليّ معنى غير هذين المعنيين ، فصار تفسير (٥) الآية : إنّما المتصرّف فيكم أيّها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصّفة الفلانية ، وهذا يقتضي أنّ المؤمنين الموصوفين بالصّفات المذكورة في الآية متصرّفون في جميع الامّة ، ولا معنى للإمام إلّا الإنسان الذي يكون متصرّفا في كلّ الامّة ، فثبت بما ذكرنا دلالة الآية على أنّ الشّخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الامّة.
أمّا بيان المقام الثّاني : وهو أنّه لمّا ثبت ما ذكرنا ، وجب كون ذلك الإنسان هو عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وبيانه من وجوه :
الاول : أنّ كلّ من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : [ إن ] ذلك الشّخص [ هو ] عليّ بن أبي طالب ، وقد ثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشّخص هو عليّ ، ضرورة أنّه لا قائل بالفرق.
الثاني : أنّه تظافرت الرّوايات على أنّ هذه الآية نزلت في [ حق ] عليّ ، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول أنّها نزلت في أبي بكر ؛ لأنّها لو نزلت في حقّه لدلّت على إمامته ، وأجمعت الامّة على أنّ هذه الآية لا تدل على إمامته ، فبطل هذا القول.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٦.
(٢) التوبة : ٩ / ٧١.
(٣) في المصدر : جاء بهذين المعنيين.
(٤) النساء : ٤ / ١٧١.
(٥) في المصدر : تقدير.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
