مالك بن نويرة بعد قتله ، أو الأمر بالجهاد لتلك الصّفات ، فلا بدّ من تعيين المتّصفين بالصّفات من دليل آخر ، وإنّما قلنا أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه متّصف بتلك الصّفات لدلالة ( رواية الرّاية ) المتواترة بين الفريقين وغيرها عليه ، وإن قال هذا المتعصّب إنّها من الآحاد (١) .
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه لم يثبت أنّ أبا بكر بعث جيشا نحو المرتدّين ؛ لأنّ المرتدّ هو الذي كفر بعد إيمانه. ولم يثبت أنّ مسيلمة وأصحابه كانوا مسلمين ثمّ كفروا ، وأمّا غيرهم من سائر الطّوائف الذين (٢) نسبوهم إلى الارتداد ، فالظّاهر أنّهم كانوا ممتنعين من دفع زكاتهم إلى أبي بكر لإنكارهم خلافته ، لا لإنكارهم وجوب الزّكاة.
ويؤيّده ما رواه العامّة من أنّ أبا بكر قال : والله ، لو منعوني عتودا (٣) ممّا أدّوا إلى رسول الله لقاتلتهم عليه (٤) ، ولم يقل : لو جحدوا الزّكاة لقاتلتهم. وأمّا الّذين قاتلهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه فكانوا من أظهر مصاديق المرتدّين ؛ لأنّ وجوب حبّ أمير المؤمنين (٥) وكونه مع الحقّ والحقّ معه (٦) ، كان متواترا ضروريا بين الامّة ، وكذا قوله صلىاللهعليهوآله : « حربك حربي ، وسلمك سلمي » (٧) ، وغيره من النّصوص الجليّة.
ولو سلّم ذلك نقول : لم يجاهد أبو بكر أحدا منهم ؛ لأنّ الظّاهر من قوله : ﴿يُجاهِدُونَ﴾ مباشرة الجهاد ؛ كما باشر أمير المؤمنين عليهالسلام جهاد الفرق الثّلاث ، لا القعود في البيت والرّاحة ، والأمر به ؛ كما فعله أبو بكر.
وعلى تقدير التّسليم لا دلالة في الآية على اتّصاف جميع المجاهدين بتلك الصّفات حتّى تكون الآية مدحا لجميع أفراد الجيش ، بل تدل على أن جماعة ممّن لهم تلك الصفات يجاهدونهم ، وإن كان معهم أو كان رئيسهم غير متّصف بها ، بل متّصفا بضدّها. فإثبات تلك الصّفات لشخص معيّن محتاج إلى دليل خارج.
ثمّ قال النّاصب المتعصّب : فثبت أنّه لا يمكن أن يكون المراد هو الرّسول ، ولا يمكن أن يكون المراد هو عليّ أيضا ؛ لأنّه لم يتّفق له قتال مع أهل الردّة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليه ؟ (٨) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ٢٣.
(٢) في النسخة : التي.
(٣) العتود : ما قوي وأتى عليه حول من أولاد المعزى.
(٤) تفسير روح البيان ٢ : ٤٠٥.
(٥) راجع : فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢ : ٦٦٩ / ١١٤١ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٧٢ ، الدر المنثور ٦ : ٧ ، الصواعق المحرقة : ١٧٠ ، الكشاف ٤ : ٢١٩.
(٦) راجع : تاريخ بغداد ١٤ : ٣٢١ ، ترجمة علي عليهالسلام من تاريخ دمشق ٣ : ١٥٣ / ١١٧٢.
(٧) شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد ٢ : ٢٩٧.
(٨) تفسير الرازي ١٢ : ٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
