أقول فيه : إنّه صلىاللهعليهوآله قد جاهد الأسود العنسي المرتدّ بالمعنى الذي ذكره و[ كما ] اتّفق لأبي بكر ، لأنّه صلىاللهعليهوآله على ما نقله هو في تفسيره ، وغيره من العامّة ، قالوا : إنّ بني مدلج ارتدّوا في زمانه ، وكان رئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهنا ادّعى النّبوّة في اليمن ، واستولى على بلادها ، وأخرج عمّال رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فكتب صلىاللهعليهوآله إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه الله على يد فيروز الدّيلمي ؛ دخل بيته فقتله ، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل ، فسرّ المسلمون ، وقبض رسول الله صلىاللهعليهوآله من الغد ، وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول (١) .
ثمّ قال الناصب : ولأنّه تعالى قال : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ﴾ وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب ، فإن قيل : هذا لازم عليكم لأنّ أبا بكر كان موجودا في ذلك الوقت ، قلنا : الجواب من وجهين ؛ الأوّل : أنّ القوم الّذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودين في الحال (٢) .
أقول فيه : إنّه لا شبهة أنّ نزول هذه السّورة والآية كان في أواخر عمر النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وكانت مدّة خلافة أبي بكر سنتين وستّة أشهر تقريبا ، فلا بدّ من أن يكون عامّة جيش أبي بكر موجودين في زمان النّزول. وأمّا جهاد أمير المؤمنين عليهالسلام مع المرتدّين فإنّه كان بعد أزيد من ثلاثين سنة من زمان الخطاب ، فيمكن أن يقال أنّ أغلب جيشه عليهالسلام لم يكونوا موجودين في زمان نزول الآية ، فظهر ممّا ذكر أنّه لا يمكن أن يقال بصدق الآية على جيش أبي بكر ونزولها في شأنه.
ثمّ قال : والثاني : أنّ معنى الآية : فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكّنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن كان موجودا في ذلك الوقت إلّا أنّه ما كان مستقلا في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنّهي ، فزال السّؤال (٣) .
أقول : كان الأولى أن يقول : إن المراد من الآية : فسوف يبعث [ الله ] قوما يحبّهم ويحبّونه ، لا سوف يوجد قوما ، مع أن الآية - على تقدير دلالتها على قيام قوم تكون لهم تلك الصّفات بجهاد خصوص المرتدّين ، وعلى تقدير تسليم كون الأمر بالجهاد ، ولو لم يلتبس به مجاهد ، حقيقة - لا تدلّ على كون كلّ من جاهدهم واجدا لتلك الصّفات ، بحيث لا يكون معهم غيرهم ، بل الظّاهر إرادة أن جماعة ممّن لهم هذه الصّفات يجاهدونهم ، وإن كان معهم غيرهم ممّن كان متّصفا بضدّ تلك الصّفات.
فلا تدلّ الآية على اتّصاف كلّ فرد من أفراد جيش أبي بكر حتّى خالد بن الوليد الذي نكح زوجة
__________________
(١) تفسير الرازي ١٢ : ١٨.
(٢) تفسير الرازي ١٢ : ٢٠.
(٣) تفسير الرازي ١٢ : ٢٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
