وهما كانا ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ الله ويتّقون ، وقد ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بنعمة اليقين الصّادق بوعد الله وباليوم الآخر ، والثّقة بعونه ونصرته ، تشجيعا لهم وتقوية لقلوبهم : يا قوم ﴿ادْخُلُوا﴾ بجماعتكم دفعة وبغتة ﴿عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ الذي لبلد الجبّارين ، وضاغطوهم في المضيق حتّى لا يمكنهم الخروج إلى الصّحراء ، ولا يجدوا للحرب مجالا.
ثمّ أنّهما بعد تعليمهم كيفيّة الحملة عليهم ، وعداهم النّصر والغلبة ؛ بقوله : ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ﴾ وضيّقتم عليهم العرصة ﴿فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ عليهم لا محالة ، وهم منهزمون منكم ألبتة ؛ لضعف قلوبهم ، وتعسّر الكرّ عليهم ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ خاصّة ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ في الغلبة عليهم ، وفي غيرها من الأمور ، ولا تعتمدوا على الأسباب بعد تهيئتها وترتيبها ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالله ، مصدّقين بوعده ، عارفين بقدرته.
﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا
هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)﴾
فلمّا لم يفد بني إسرائيل نصح الرّجلين ، ولم يؤثّر فيهم التّشجيع ، ولم يفيضوا بتعليم كيفيّة الحرب وطريق الغلبة وتنبيههم على التّوكّل على الله ، بالغوا في الامتناع عن الدّخول في الأرض المقدّسة خوفا على أنفسهم ، و﴿قالُوا﴾ تمرّدا عن طاعة الله ورسوله ، واستهانة بهما : ﴿يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً﴾ خوفا من الجبابرة ، ولا نرد أرضهم ﴿ما دامُوا فِيها﴾ مقيمين ، فإن كان لك الغلبة عليهم ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ معا إلى أرضهم ﴿فَقاتِلا﴾ هم ﴿إِنَّا﴾ جميعا ﴿هاهُنا﴾ وفي مكاننا هذا ﴿قاعِدُونَ﴾ منتظرون نصركما وغلبكما عليهم ، وإخراجكما إيّاهم من أرضهم.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)﴾
فلمّا يئس موسى عليهالسلام من طاعة قومه بعد أن سمع منهم الامتناع والاستهزاء ﴿قالَ﴾ بثّا وحزنا وتشكّيا من تمرّدهم إلى الله : ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ﴾ طاعة أحد ﴿إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الذي هو بمنزلة نفسي ، وفي حكم جوارحي التي لا تتخلّف عن إرادتي.
وإنّما لم يذكر الرّجلين اللّذين يخافان ، مع كونهما في غاية الطّاعة والانقياد له ، إعظاما لشأن هارون من أن يكون له قرين في الانقياد والتّسليم.
ثمّ دعا لنفسه ولأخيه ، وعلى قومه المتمرّدين بقوله : ﴿فَافْرُقْ﴾ يا ربّ وافصل ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
