أخذ الميراث كلّه بالآية ، لقول الله : ﴿وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ وإن كانتا اختين ، أخذتا الثّلثين بالآية ، والثلث الباقي بالرّحم ، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ، فللذّكر مثل حظّ الانثيين ، وذلك كلّه إذا لم يكن [ للميت ] ولد ، أو أبوان ، أو زوجة » (١) .
ثمّ منّ سبحانه وتعالى على النّاس بقوله : ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ المعارف والأحكام بالبيان الواضح ، كراهة ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ عن الحقّ ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء ، ومصالح الأحكام ﴿عَلِيمٌ﴾ خبير.
قيل : هذه الآية آخر آية نزلت في الأحكام (٢) ، وسمّيت بآية الصّيف ، لأنّها نزلت بالصّيف ، وآية الكلالة في أول السّورة نزلت بالشّتاء (٣) .
[ وجه نظم المائدة بعد النساء ]
ومن لطائف هذه السّورة المباركة أنّ الله بدأ فيها ببيان كمال قدرته بقوله : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾(٤) ، وختمها ببيان كمال علمه بقوله : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(٥) .
وهذان الوصفان مرجع جميع صفاته تعالى ، ومثبت الوهيّته وربوبيّته الموجبتين لكمال طاعته والانقياد له على العبد ، ولذا ردفها بسورة المائدة ، المبدأة فيها بالأمر بطاعة جميع أحكامه التي هي عقود الله وعهوده إلى عباده ، مضافا إلى تصدّر السّورتين بالخطاب الشّفاهي مع تقدّم عامّه وهو قوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ*﴾ على خاصّة وهو قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾(٦) واشتمال سورتي البقرة وآل عمران على عمد أحكام العبادات ، وسورة النّساء على مهمّات حقوق النّاس ، وسورة المائدة على كثير من أحكام الأطعمة والأشربة ، واشتمال السّور الثّلاثة السّابقة على محاجّة أهل الكتاب ، وهذه السّورة على نتيجة المحاجة من إيمان بعضهم كالنّجاشي.
وفي السّور السّابقة بيان الدّين ، وفي هذه السّورة البشارة بتكميله ، وفي النّساء بيان حكم الوصيّة ، وفي هذه السّورة بيان كيفيّة إثباتها ، إلى غير ذلك من الوجوه التي اقتضى حسن النّظم ذكر المائدة بعد النّساء ، فابتدأ فيها تيّمنا وتعليما للعباد بذكر : بسم الله الرحمن الرحيم.
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ١٥٩ ، تفسير الصافي ١ : ٤٨٦ ، وفي النسخة : ولد وأبوان وزوجة.
(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٢٥١.
(٣) مجمع البيان ٣ : ٢٢٩. وفيه : أن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين : إحداهما في الشتاء ، وهي التي في أول هذه السورة ، واخرى في الصيف ، وهي هذه الآية.
(٤) النساء : ٤ / ١.
(٥) الأنعام : ٦ / ١٠١.
(٦) المائدة : ٥ / ١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
