وساق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلىاللهعليهوآله فوجد وجدا شديدا ، وقال : « قتلتموه إرادة ما معه » ، ثمّ قرأ الآية على اسامة ، فقال اسامة : يا رسول الله ، استغفر لي ، فقال : « وكيف وقد تلا : لا إله إلّا الله ؟ ! » ، قال اسامة : فما زلت اعيدها حتّى وددت أنّى لم أكن أسلمت إلّا يومئذ ، ثمّ استغفر لي وقال : « أعتق رقبة» (١) .
وعن القمّي رحمهالله : نزلت لمّا رجع رسول الله صلىاللهعليهوآله من غزوة خيبر ، وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض [ قرى ] اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام ، وكان رجل من اليهود يدعى مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى ، فلمّا أحسّ بخيل رسول الله صلىاللهعليهوآله جمع أهله وماله وصار في ناحية جبل ، وأقبل يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأن محمّدا رسول الله ، فمرّ به اسامة بن زيد فطعنه وقتله ، فلما رجع إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله أخبره بذلك ، فقال [ له ] رسول الله : [ قتلت رجلا شهد أن لا إله إلّا الله ، وأني رسول الله ؟ ! فقال : يا رسول الله ، إنّما قال تعوّذا من القتل. فقال رسول الله ] : فلا شققت الغطاء عن قلبه [ و] لا ما قال بلسانه قبلت ، ولا ما كان في نفسه علمت » ، فحلف اسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحدا قال : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّدا رسول الله ، فتخلّف عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حروبه (٢) ، وأنزل الله في ذلك : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾(٣) .
وقيل : إنّ القاتل محلّم بن جثّامة ، لقيه عامر بن الأضبط فحيّاه بتحيّة الإسلام ، وكانت بين محلّم وبينه إحنة (٤) في الجاهليّة ، فرماه بسهم فقتله ، فغضب رسول الله صلىاللهعليهوآله وقال : « لا غفر الله لك » ، فما مضت به سبعة أيام حتّى مات ، فدفنوه ، فلفظته الأرض ثلاث مرّات ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله : « إنّ الأرض تقبل من هو شرّ منه ، ولكنّ الله أراد أن يريكم عظم الذّنب عنده » ، ثمّ أمر أن تلقى عليه الحجارة (٥) .
وقيل : إنّ المقداد بن الأسود [ قد ] وقعت له مثل واقعة اسامة ، قال : فقلت : يا رسول الله ، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفّار فقاتلني ، فضرب إحدى يديّ بالسّيف ، ثمّ لاذ بشجرة فقال : أسلمت لله تعالى ، أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « لا تقتله » ، فقلت : يا رسول الله ، إنّه قطع يدي ؟
__________________
(١) تفسير الرازي ١١ : ٣.
(٢) وتلك حجة داحضة ، لأن أمير المؤمنين عليهالسلام يدور مع الحقّ حيثما دار بنصّ الرسول صلىاللهعليهوآله ، فضلا عن أن الرسول صلىاللهعليهوآله قد أخبره بقتال الفئات الباغية من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، والقاسطين وهم أهل الشام ، والمارقين وهم الخوارج ، وقد نصّ الكتاب الكريم على قتال أهل البغي بقوله : (فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي). [ الحجرات : (٤٩ / ٩ ] وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله قد قال لعمار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية » فقتله أصحاب معاوية في صفين. وكان أمير المؤمنين عليهالسلام راية الهدى التي ميزت رجالات الامّة ، فبعضهم نصر الحق فكانوا شهداء وصديقين ، وبعضهم نصر الباطل وقاتل الإمام عليهالسلام وناصبه العداء فكانوا ناكثين وقاسطين ومارقين ، وبعضهم وقف على التلّ فكانوا مذبذبين ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
(٣) تفسير القمي ١ : ١٤٨ ، تفسير الصافي ١ : ٤٤٩.
(٤) الإحنة : الحقد والضّغن.
(٥) تفسير الرازي ١١ : ٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
