ثمّ بالغ سبحانه في الوعيد وعمّمه لجميع الكفّار ؛ بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يؤمنوا ﴿بِآياتِنا﴾ وبراهيننا الدّالّة على التّوحيد ، و رسالة رسلنا ، واليوم الآخر ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ وندخلهم ﴿ناراً﴾ ثمّ كأنّه قيل : كيف يبقون فيها ؟ فقال : ﴿كُلَّما نَضِجَتْ﴾ واحترقت ﴿جُلُودُهُمْ﴾ بالنّار ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ وألبسناهم بالقدرة الكاملة ﴿جُلُوداً﴾ جديدة حاسّة ، تكون عين الجلود المنضوجة مادّة ، و﴿غَيْرَها﴾ صورة ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ الشّديد ، ويدركوا ألمه.
ثمّ لمّا كان مجال توهّم عدم إمكان بقاء جسد الإنسان في النّار أبد الآباد ، وعدم لياقة العذاب الشّديد الدّائم بسعة رحمة الرّحيم ، سدّ الله تعالى باب المتّوهّمين بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً﴾ وقادرا ﴿حَكِيماً﴾ لا يصدر منه إلّا الصّواب ، ولا يضع شيئا إلّا في موضعه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى ؛ على حسب دأبه في الكتاب العزيز ، أرفد الوعد بالوعيد بقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ذات أشجار وقصور ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ الكثيرة ، حال كونهم ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ لا موت لهم ولا زوال نعمة ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الأدناس ، منزّهة من الأخلاق الذّميمة ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا﴾ دائما ﴿ظَلِيلاً﴾ لا حرّ فيه. قيل : هو كناية عن النّعمة التّامّة الدّائمة (١) ، وقيل : كناية عن الرّاحة الأبديّة (٢) .
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)﴾
ثمّ عاد سبحانه إلى بيان حقوق النّاس التي من أهمّها ردّ الأمانات ، بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ أيّها المؤمنون ، ويوجب عليكم ﴿أَنْ تُؤَدُّوا﴾ وتوصلوا ﴿الْأَماناتِ﴾ والودائع الكائنة عندكم ﴿إِلى أَهْلِها﴾ وأصحابها.
روي أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لمّا دخل مكّة يوم الفتح ، أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدّار - وكان سادن الكعبة - باب الكعبة وصعد السّطح ، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال : لو علمت أنّه رسول الله لم أمنعه ، فلوى عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يده وأخذه منه وفتح ، ودخل رسول الله صلىاللهعليهوآله وصلّى ركعتين ،
__________________
(١) تفسير البيضاوي ١ : ٢٢٠.
(٢) تفسير الرازي ١٠ : ١٣٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
