بِمَنِ اتَّقى﴾(١) فيجزيهم ما يستحقونه من الجزاء ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ بالعقاب أو بتنقيص الثواب ﴿فَتِيلاً﴾ وقدرا قليلا.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)﴾
ثم أشار سبحانه إلى وجه التعجب بقوله : ﴿انْظُرْ﴾ إلى هؤلاء المزكين لأنفسهم ﴿كَيْفَ﴾ يجترئون و﴿يَفْتَرُونَ﴾ بدعاويهم الباطلة ، من قولهم : نحن ابناء الله وأحباؤه ، وإنا لا نعذب في الآخرة ﴿عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ ويجاهارون بهذا الافتراء ﴿وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ وذنبا ظاهرا.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١)﴾
ثم بالغ سبحانه في ذمهم بما هو أقبح من الافتراء بقوله : ﴿أَ لَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً﴾ وحظا ﴿مِنَ﴾ علم ﴿الْكِتابِ﴾ وآيات التوراة ، حتى تتعجب من خبث ذاتهم ، وقبح فعالهم ، أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ويعبدون الأصنام عنادا لدين الإسلام ، وتعصبا لدين اليهودية.
روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقالوا : أنتم أهل الكتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ، ففعلوا ذلك ، فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا للأصنام (٢) .
عن الباقر عليهالسلام : « الجبت والطاغوت : فلان وفلان » (٣) .
﴿وَ﴾ مع ذلك ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأشركوا ولتطييب قلوبهم : ﴿هؤُلاءِ﴾ المشركون ﴿أَهْدى﴾ وأرشد ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﴿سَبِيلاً﴾ وأحسن دينا.
روي أن أبا سفيان قال لكعب بن الأشرف : أ نحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال كعب : ما يقول محمد ؟ قال : يأمر بعبادة الله وحده ، وينهى عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة ؛ قال : وما دينكم ؟ قال : نحن ولا ة البيت ، نسقي الحاج ، ونقري الضيف ، ونفك العاني (٤) ، وذكر أفعالهم ، فقال : أنتم أهدى سبيلا (٥) .
__________________
(١) النجم : ٥٣ / ٣٢.
(٢) تفسير الرازي ١٠ : ١٢٨.
(٣) تفسير العياشي ١ : ٤٠٣ / ٩٩٣ ، تفسير الصافي ١ : ٤٢٤.
(٤) العاني : هو الأسير.
(٥) تفسير الرازي ١٠ : ١٢٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
