قيل : هذا التّذييل إشارة إلى أنّه تعالى إذا كان مسهّلا على العصاة بالعفو والغفران ، كان بالتّسهيل على المطيعين في أحكامه وأوامره أولى (١) .
عن الصادق عليهالسلام في كيفيّة التّيمّم : فضرب بيديه على الأرض ، ثمّ رفعهما فنفضهما ، ثمّ مسح على جبينه وكفّيه مرّة واحدة (٢) .
وفي رواية اخرى : ثمّ مسح كفّيه إحداهما على ظهر الاخرى (٣) .
وفي رواية ثالثة : ولم يمسح الذّراعين بشيء (٤) .
أقول : لا شبهة في كفاية المسح على الجبين وظهر الكفّين مع تقديم مسح ظهر الكفّ اليمنى بباطن اليسرى ، وعدم وجوب مسح تمام الوجه والذراعين كما يفعله بعض العامّة (٥) ، بل لا ريب في حرمته بقصد المشروعيّة ، إنّما الإشكال في كفاية الضّرب الواحد للوجه واليدين مطلقا ، أو وجوب الضّربتين ، إحداهما للوجه والاخرى لليدين مطلقا ، أو الضّرب الواحد في ما هو بدل عن الوضوء ، والضّربتان في ما هو بدل عن الغسل. ومنشأ الإشكال اختلاف الأخبار.
والأظهر في الجمع هو الاجتزاء بالضّرب الواحد مطلقا ، واستحباب الزّيادة ، والأفضل مرّتان للوجه ومرّتان لليدين مطلقا ، ودونه في الفضل مرّتان للوجه ومرّة لليدين ، ودونه مرّة للوجه ومرّة لليدين ، وتأكّد في ما هو بدل عن الغسل ، فنزّل الزّيادة في الضّرب منزلة الإسباغ في الوضوء.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ
تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾
ثمّ - لمّا ذكر سبحانه من أوّل السّورة إلى هنا كثيرا من حقوق النّاس من الأرحام والأيتام والأزواج والسّفهاء والأبوين والكلالة ، وسائر النّاس من المساكين والجار والصّاحب والمماليك وغيرهم ، والتّرغيب في الطّاعة والتّرهيب في المخالفة ببيان فيه غاية الإعجاز ، ومع ذلك كان أهل الكتاب الّذين هم أهل العلم مصرّين على الكفر والضّلال - أظهر سبحانه وتعالى التّعجّب من ضلالهم بعد وضوح آيات صدق النبيّ ، وصحّة دين الإسلام ، بقوله : ﴿أَ لَمْ تَرَ﴾ يا محمّد ﴿إِلَى﴾ اليهود ﴿الَّذِينَ أُوتُوا
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ١١٤.
(٢) الكافي ٣ : ٦١ / ١ ، والتهذيب ١ : ٢٠٧ / ٦٠١ ، عن الباقر عليهالسلام ، تفسير الصافي ١ : ٤٢١.
(٣) الكافي ٣ : ٦٢ / ٣ ، التهذيب ١ : ٢٠٧ / ٦٠٠ ، تفسير الصافي ١ : ٤٢١.
(٤) التهذيب ١ : ٢٠٨ / ٦٠٣ ، تفسير الصافي ١ : ٤٢١.
(٥) راجع : تفسير الرازي ١٠ : ١١٤ ، تفسير أبي السعود ٢ : ١٨١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
