وتجاوز الحدود الشّرعيّة منهما ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً﴾ عادلا منصفا ، صالحا للحكومة من طرف الزّوج كائنا ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ وأقاربه إلى الزّوجة ﴿وَحَكَماً﴾ آخر ، على صفة حكم الزّوج من طرف الزّوجة ، كائنا ﴿مِنْ أَهْلِها﴾ وعشيرتها إلى الزّوج لإصلاح ذات البين.
قيل : تعيين أهل الزّوجين للحكميّة لكونه أعرف بحالهما (١) .
وقيل : هو على سبيل النّدب ، ويجوز البعث لغير الأهل لحصول الغرض (٢) .
وعلى أيّ حال وتقدير فالحكمان المعيّنان ﴿إِنْ يُرِيدا﴾ وقصدا ﴿إِصْلاحاً﴾ وتوفيقا بين الزّوجين بالشّروط والالتزمات نظرا إلى صلاحهما ﴿يُوَفِّقِ اللهُ﴾ ويؤلّف بقدرته ﴿بَيْنِهِما﴾ قيل : إنّ ضمير التّثنية الاولى أيضا راجع إلى الزّوجين (٣) ، وقيل : الثّانية أيضا راجعة إلى الحكمين (٤)﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بالكلّيّات ﴿خَبِيراً﴾ بالجزئيّات ، أو عليما بالبواطن خبيرا بالظّواهر من الأقوال والأفعال.
في ( الكافي ) : عن الصادق عليهالسلام : « الحكمان يشترطان إن شاءا فرّقا وإن شاءا جمعا ، فإن جمعا فجائز ، وإن فرّقا فجائز » (٥) .
[ و] قال : « ليس لهما أن يفرّقا حتّى يستأمراهما » (٦) .
﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى
وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ
السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى لمّا أرشد الزّوجين إلى طريق الإصلاح بينهما ، أرشد النّاس إلى طريق الإصلاح بينهم وبين الله بقوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ وأطيعوه أيّها النّاس جوانحا وجوارحا ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ من الإشراك جليّا وخفيّا ، ﴿وَ﴾ أحسنوا ﴿بِالْوالِدَيْنِ﴾ وإن علوا ﴿إِحْساناً﴾ لائقا بعظيم حقوقهما.
وفي إقران ذكر وجوب برّهما بوجوب عبادة ذاته المقدّسة تنبيه على كمال العناية بهما ، وعلوّ قدرهما ، والتّأكيد في وجوب طاعتهما ، والقيام بخدمتهما ، والسّعي في حوائجهما ، والإنفاق عليهما بقدر الاستطاعة ، والخضوع لهما ، وتليين الكلام معهما.
روي أنّ رجلا جاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله من اليمن فاستأذنه في الجهاد ، فقال صلوات الله عليه : « هل لك أحد باليمن ؟ » فقال : أبواي ، فقال : « أبواك أذنا لك ؟ » فقل : لا ، فقال : « فارجع فاستأذنهما ، فإن أذنا
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ٩٣.
(٢) تفسير أبي السعود ٢ : ١٧٥.
(٣) تفسير أبي السعود ٢ : ١٧٥.
(٤) تفسير أبي السعود ٢ : ١٧٥.
(٥) الكافي ٦ : ١٤٦ / ٣ ، تفسير الصافي ١ : ٤١٥.
(٦) الكافي ٦ : ١٤٧ / ٥ ، تفسير الصافي ١ : ٤١٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
