والآصار والأغلال التي كانت على الامم الماضية.
ثمّ أشار إلى علّة هذا التّخفيف بقوله : ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ في نفسه وعقله وقواه ، عاجزا عن احتمال المشاقّ ، جزوعا عند الشّدائد ، لا يصبر عن الشّهوات ، ولا يحتمل مشقّة الطّاعات.
عن ابن عبّاس رضى الله عنه ، قال : ثمان آيات في سورة النّساء هي خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ...﴾(١) ، ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ...﴾(٢) ، ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ...﴾(٣) ، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾(٤) ، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ...﴾(٥) ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ...﴾(٦) ، ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ...﴾(٧) .
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ
تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾
ثمّ لمّا أجاز سبحانه في التّصرّف في النّفوس بالنّكاح ، وأمر بابتغائه بالأموال ، وإيفاء المهور والنّفقات ، نهى عن التّصرّف في الأموال بغير الوجه العقلائي والنّحو المحلّل في الشّرع أوّلا بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ ولا تتصرّفوا فيها ﴿بِالْباطِلِ﴾ بالأسباب غير المبيحة للمال ، كالقمار والرّشوة والغصب والسّرقة ونحوها. وعلى هذا التّفسير تكون الآية مجملة.
عن الباقر عليهالسلام : « الرّبا والقمار والبخس والظّلم » (٨) .
وعن الصادق عليهالسلام : « عنى بها (٩) القمار ، وكانت قريش تقامر [ الرجل ] بأهله وماله فنهاهم [ الله ] عن ذلك » (١٠) .
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه : إنّ الباطل [ هو ] كلّ ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض (١١) .
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ التّجارة ﴿تِجارَةً﴾ كائنة ﴿عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ بها. وعليه لا يكون الاستثناء منقطعا لعدم كون التّجارة من جنس الباطل ، ويكون المعنى : ولكن يحلّ أكلها بالتّجارة عن التراضي ويمكن توجيه الآية بنحو يكون الاستثناء متّصلا.
ثمّ بعد النّهي عن التّصرّف في الأموال بغير الوجه المحلّل ، نهى عن التّصّرف في النّفوس بالقتل - ثانيا - بقوله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ .
__________________
(١) النساء : ٤ / ٢٦.
(٢) النساء : ٤ / ٢٧.
(٣) النساء : ٤ / ٣١.
(٤) النساء : ٤ / ٤٨.
(٥) النساء : ٤ / ٤٠.
(٦) النساء : ٤ / ١١٠.
(٧) تفسير الرازي ١٠ : ٦٨ ، والآية من سورة النساء : ٤ / ١٤٧.
(٨) مجمع البيان ٣ : ٥٩ ، تفسير الصافي ١ : ٤٠٩.
(٩) في تفسير العياشي : نهى عن.
(١٠) تفسير العياشي ١ : ٣٩٠ / ٩٤٥ ، تفسير الصافي ١ : ٤٠٩.
(١١) تفسير الرازي ١٠ : ٦٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
