فقالت : يابن أختي ، هي اليتيمة تكون في حجر وليّها فيرغب في مالها وجمالها ، إلّا أنّه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثمّ إذا تزوّج بها عاملها معاملة رديئة ، لعلمه بأنّه ليس لها من يذبّ عنها ويدفع شرّ ذلك الزّوج عنها ، فقال تعالى : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أن تظلموا اليتامى عند نكاحهنّ ﴿فَانْكِحُوا﴾ من غيرهنّ ﴿ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾(١) .
واخرى : عن عكرمة ، أنّه قال : كان الرّجل عنده النّسوة ويكون عنده الأيتام ، فإذا أنفق مال نفسه على النّسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهنّ ، فقال تعالى : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي﴾ أموال ﴿الْيَتامى﴾ عند كثرة الزّوجات ، فقد حظرت عليكم أن تنكحوا أكثر من أربع ، كي يزول هذا الخوف ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ في الأربع أيضا ﴿فَواحِدَةً﴾ فذكر الطّرف الزّائد وهو الأربع ، والنّاقص وهو الواحدة ، ونبّه بذلك على ما بينهما ، فكأنّه تعالى قال : فإن خفتم من الأربع فثلاث ، فإن خفتم فاثنتان ، فإن خفتم فواحدة (٢) .
وثالثة : أنّه لمّا نزلت الآية المتقدّمة في اليتامى ، وما في أكل أموالهنّ من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى ، فتحرّجوا من ولايتهم ، وكان الرّجل منهم ربّما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهنّ ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك العدل بين النّساء فقلّلوا عدد المنكوحات ، لأنّ من تحرّج من ذنب وتاب عنه وهو مرتكب لمثله ، فكأنّه غير متحرّج (٣) .
وقيل : إنّهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل : إن خفتم في حقّ اليتامى ، فكونوا خائفين من الزّنا ، فانكحوا ما حلّ لكم من النّساء ، ولا تحوموا حول المحرّمات (٤) .
﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً
مَرِيئاً (٤)﴾
ثمّ بيّن الله سبحانه وجوب إعطاء مهور النّساء بقوله : ﴿وَآتُوا﴾ أيّها الأزواج ﴿النِّساءَ﴾ اللاتي تزوّجتموهنّ ﴿صَدُقاتِهِنَ﴾ ومهورهنّ التي استحللتم بها فروجهنّ ، لكونها ﴿نِحْلَةً﴾ وفريضة فرضها الله في دينه ، أو عطيّة من الله لهنّ ، حيث إنّ الله أمر بإعطاء الزّوج المهر ، مع أنّه والمرأة مشتركان في منافع النّكاح ، من قضاء الشّهوة والتّوالد.
__________________
(١) تفسير الرازي ٩ : ١٧١.
(٢) تفسير الرازي ٩ : ١٧١.
(٣ و٤) . تفسير الرازي ٩ : ١٧١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
