ومن الواضح أنّ التّصبيّ وارتكاب أمثال ذلك ، في غاية الصّعوبة على الرّجال لأكمليّة عقولهم ، وفي كمال السّهولة على النّساء لضعف عقولهنّ ، ولذا عبّر سبحانه عنهنّ في الآية بكلمة ( ما ) التي تستعمل في غير ذوي العقول ، تنزيلا لهنّ منزلته (١) .
ثمّ لمّا أمر بالنّكاح بيّن العدد الذي يجوز تزوّجه من الحرائر بالعقد الدّائم ، ولا يجوز التّجاوز عنه ، بقوله : ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ فأذن سبحانه للنّاس في الجمع بين النّساء في التزوّج اثنين اثنين ، وثلاث وثلاث ، وأربع أربع.
فيكون الحاصل جواز اختيار أيّ عدد شاءوا من الأعداد ، متّفقين أو مختلفين ، بأن اختار واحد اثنين ، وواحد ثلاث ، وواحد أربع. ولو كان ( أو ) بدل ( الواو ) لم يجز الاختلاف.
ثمّ أشار سبحانه إلى أنّه كما يجب العدل في حقّ الأيتام ، يجب العدل في حقّ الأزواج ، بقوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ في صورة اختيار المتعدّد ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بينهنّ ، ولا تقوموا بحقوقهنّ - وعن الصادق عليهالسلام : « يعني : في النّفقة » (٢) - ﴿فَواحِدَةً﴾ من النّساء اختاروا للتّزويج ، وأكتفوا بها ، واتركوا الجمع ﴿أَوْ﴾ اختاروا ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من الإماء ، وإن تعدّدن وبلغن أربعين وأزيد ، لعدم كون حقوقهنّ على مواليهنّ كحقوق الحرائر على الأزواج ، من التّسوية والقسم (٣) وغيرهما ، فلا تبتلون بترك العدل.
﴿ذلِكَ﴾ المذكور من الاكتفاء بالمهيرة (٤) الواحدة أو بالمملوكة ، وإن كنّ متعدّدات ﴿أَدْنى﴾ وأقرب طريق إلى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولا تميلوا إلى الجور والظّلم ، أو لا تموتوا ؛ لأنّ وجوب القسم والمجامعة وغيرهما مختصّ بالنّكاح الدّائم دون الملك والتّمتّع.
عن القمّي : أي لا يتزوّج ما لا يقدر أن يعول (٥) .
ثمّ اعلم أنّ ما ذكرته من وجه النّظم ، هو الذي سنح بخاطري وقوي في نظري. ومن طريق العامّة روايات في شأن نزولها ، ووجه نظمها :
احداها : عن عائشة ، قال عروة : قلت لها : ما معنى قول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾
__________________
(١) أي منزلة غير العاقل ، وقد ذكر في ( ما ) هنا وجوه ، أحدها : أنه أراد بها الجنس ، كما تقول : ما عندك ؟ فيقال : رجل أو امرأة ، وثانيها : أن (ما) وما بعدها في تقدير المصدر ، أي فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : أن (ما) و(من) ربما يتعاقبان ، قال تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها) وقال : (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ*) وقال : (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ) راجع : تفسير الرازي ٩ : ١٧٢.
(٢) الكافي ٥ : ٣٦٣ / ١ ، تفسير الصافي ١ : ٣٨٩.
(٣) القسم : نصيب الزوجة من المبيت.
(٤) المهيرة : الحرّة الغالية المهر.
(٥) تفسير القمي ١ : ١٣٠ ، تفسير الصافي ١ : ٣٨٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
